سحر العلاقات

مع تعقّد أمور الحياة وتصاعد القلق والضغط الذي لم يستثن أحداً، سواء المقيمين في قلب مناطق النزاعات والحروب أو في أماكن قصية عنها في العالم المتحضر الآمن نسبياً، يزداد البحث عن سبلٍ لتخفيف هذا القلق وتنفيس الضغط، فانتشرت دروس ومحاضرات تطوير النفس والتفكير الإيجابي والتأمل للتعامل مع الحياة الصعبة. كما وجدت ثقافة الروحانيات الآسيوية طريقها سريعاً ومعبّداً إلى النفوس القلقة والراغبة في الوصفة السحرية التي تخلصها من القلق واليأس، وتمدّ في نظرتها للمستقبل كي تتمكّن من خلق الأمل الذي يأخذ بيدها إلى صنع عالم أفضل.

وصارت كلمة السعادة هدفاً على جميع المستويات، لما للإحساس بالسعادة من تأثير على الاستقرار والابتكار والرغبة في أداء الأعمال والصحة الجسدية والعقلية، حتى أدرجته الأمم المتحدة ضمن أيامها الدولية المحتفى بها تحت اسم «يوم السعادة العالمي». وأصبح العالم يحتفل بهذا اليوم في 20 مارس/ آذار من كل عام منذ 2012، اعترافاً بأهمية السعي للسعادة أثناء تحديد أطر السياسة العامة لتحقق التنمية المستدامة والقضاء على الفقر وحماية سلامة الفرد والبيئة، بالإضافة إلى توفير الرفاهية المادية والاجتماعية لجميع الشعوب.

ولقياس مدى السعادة، حدّدت الأمم المتحدة ثمانية معايير وهي الناتج المحلي الإجمالي بمقياس القوة الشرائية، والدعم الاجتماعي الذي يلجأ إليه الأفراد وقت الشدة، ومعدل العمر، ووجود حكومة تتصدى للفساد، والكرم الاجتماعي ووجود من يحب المساعدة والتطوع في المجتمع، والحرية لاختيار نمط الحياة المناسب، بالإضافة إلى قياس مؤشرات الشعور الإيجابي كالضحك والاستمتاع، ومؤشرات الشعور السلبي كالقلق والحزن والغضب.

وفي حين كانت دولٌ تسعى بهدوء حثيث لإسعاد شعوبها بالحريات، وتوفير الخدمات المتقدمة والاعتناء بالنظام والقانون، بادرت عدد من الدول إلى الاهتمام بسعادة شعوبها باتخاذ خطوة إدارية، وكأنها تود أن تجعل التزامها علنياً، بإنشاء وزارات خاصة بالسعادة، وآخرها دبي التي أنشأت وزارة السعادة في فبراير/ شباط الماضي، بينما سبقتها إلى ذلك فنزويلا التي أنشأت وزارتها للسعادة في 2013 حينما كانت تمر بأزمة اقتصادية خانقة، ارتفعت معها معدلات التضخم، وشحّ معها حتى الغذاء الرئيسي. كما عيّنت الإكوادور في العام نفسه وزيراً لـ«الحياة الجيدة» لتولّى مسئولية تحقيق السعادة والرضا للشعب. ومن قبلهم اعتمد ملك بوتان في 1972 مؤشر السعادة بديلاً عن الناتج المحلي الإجمالي لقياس النمو، واعتمد لذلك أربعة معايير هي التنمية المستدامة، والمحافظة على القيم الثقافية، والمحافظة على البيئة الطبيعية، بالإضافة إلى جودة الحكم.

ومن السعادة بمعاييرها القومية وتأثيرها على سعادة الأفراد، إلى مسببات السعادة لدى الأشخاص، أكّدت دراسة فريدة من نوعها هي الأطول في التاريخ ولم تنتهِ حتى الآن، واستغرقت فترة إعدادها 75 سنة، أن العلاقات وجودتها هي أهم أسباب السعادة في حياة الإنسان، كما أن لها تأثيراً مباشراً على الصحة الجسدية والذهنية وطول العمر.

هذه الدراسة أجرتها «جامعة هارفرد» بعنوان « تطوّر البالغين»، وبدأت في العام 1938، وشملت 268 طالباً في السنة الجامعية الثانية، و456 من المراهقين تم اختيارهم من أحياء فقيرة في بوسطن، وجميع الـ 724 مشاركاً من الذكور. هذه الدراسة تقوم على متابعة المشاركين مرةً كل عامين بشكل قريب بالذهاب إليهم في بيوتهم والحديث معهم ومع زوجاتهم وأبنائهم وأطبائهم، وعمل فحوصات طبية متنوعة لهم.

يقول المدير الرابع الذي ورث إدارة الدراسة بعد ثلاثة مدراء توالوا عليها منذ إطلاقها، البروفسور روبرت والدنجر، إن من بين المشاركين فقط 60 شخصاً لازالوا على قيد الحياة، وهم في التسعينات من العمر ولازالوا ملتزمين بمتابعة مشاركتهم ومجريات حياتهم في الدراسة، ومن بين هؤلاء من شاركوا في الحرب العالمية الثانية، والبعض بلغ مناصب عليا من بينهم رئيس الولايات المتحدة الأميركية جون اف. كنيدي، فيما البعض عانى من أمراض متنوعة وقضى خلال فترة الدراسة.

والدراسة التي كلّف إعدادها على مدى السنوات نحو 20 مليون دولار أميركي، جاءت نتائجها على مدى السنوات مخالفةً لما هو معروف ومسلّم به من مسببات السعادة. يقول وادنجر في مشاركته في «تيد توك» أنه من المعروف دائماً أن مسببات السعادة هي المال، الشهرة والإنجاز، لكن هذه الدراسة أكّدت بناءً على متابعة المشاركين فيها، أن العلاقات الحميمة هي أساس الإحساس بالسعادة. ولخّص نتائج هذه الدراسة في 3 نقاط هي، أن التواصل الاجتماعي يجعل الناس سعداء وأصحاء بدنياً وذهنياّ وأطول عمراً، وأن الوحدة ممكن أن تكون قاتلةً وتؤدي للإصابة بالأمراض وإلى تراجع القوى الذهنية.

والنقطة الثانية التي أثبتتها الدراسة أن ليس فقط العلاقات ما يسبب السعادة، وإنما جودة هذه العلاقات، ففي العلاقات الزوجية غير الناجحة حينما يكون الأزواج غير منسجمين، فذلك من شأنه أن ينتقص من السعادة وتكون الوحدة خياراً أفضل. وهذا لا يعني أن لا تكون هناك خلافات حياتية بين الأزواج وأطراف العلاقات المختلفة، لأن هذه الخلافات هي أمورٌ طبيعية الحدوث، لكن الأهم أن يشعر أطراف العلاقة بالأمان لوجود الطرف الآخر، وبالاعتماد عليه حين الحاجة إليه. وأشار إلى أن ليس مستويات الكوليسترول العالية في المشاركين في عمر الخمسين هي ما أدّت إلى الوفاة المبكرة، وإنّما التورط في علاقات غير سعيدة.

والنقطة الثالثة هي الربط بين الإحساس بالسعادة المتأتي من العلاقات الجيدة والصحة العقلية، فالأشخاص الذين يعانون من الوحدة تتدهور ذاكرتهم بشكل أسرع من نظرائهم «السعداء من ذوي العلاقات»، وفي هذا المجال وجدت الدراسة أن من عملوا بإخلاص لتعليم الجيل الذي يليهم في الأعمال كانوا أكثر سعادةً من غيرهم، مما يقترح أن الحب المفتوح على العطاء للمجتمع أيضاً له دورٌ في سعادة الأفراد.

ولتحقيق السعادة، نصح والدنجر بالإنتباه إلى أهمية العلاقات في حياة الأفراد في أيّ عمر كان. ودعا إلى الشروع فوراً في السعي لبناء علاقات جيدة سواءً في محيط العائلة أو مع الأصدقاء وفي المجتمع بشكل عام، مقترحاً تقليل ساعات الجلوس أمام شاشات التلفزيون أو أجهزة الكمبيوتر والهواتف لصالح الجلوس مع العائلة والأصدقاء، وإنعاش العلاقات بين الأزواج ببرامج خاصة مشتركة، أو ببساطةٍ تنشيط علاقات مع أشخاص بردت العلاقة معهم بسبب الانقطاع عنهم مدةً من الزمن والتواعد على التواصل من جديد.

يقول الروائي الفرنسي، غوستاف فلوبير «تمر معظم أوقات الحياة والناس يقولون لم يحن الوقت بعد» ثم يقولون «فات الأوان»! وبالمعنى ذاته ختم والدنجر عرضه للدراسة بمقولة للكاتب الأميركي مارك توين: «إن الحياة قصيرة، والحياة الجيدة تبنى بالعلاقات الجيدة. لا وقت للخصومات والانتقامات والاعتذارات، هناك وقتٌ فقط للحب».

صحيفة الوسط البحرينية – نشر بتاريخ 30-03-2016 – العدد: 4953

http://www.alwasatnews.com/news/1096327.html

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s