أنسنة القوة

كانت التوصية التي وجدتها الأكثر قيمة في كتاب «مدير للمرة الأولى» للكاتبين لورين بي. بيلكر وجاري أس. توبتشيك، قبل سنوات، هي أن المدير عليه أن يكون إنساناً قبل أن يكون مديراً وأن يرسم لنفسه الصورة التي يودّ أن يرى نفسه عليها في عيون موظفيه في يومه الأخير الذي يغادر فيه المؤسسة.

ورغم أن الكتاب الكلاسيكي الذي لايزال تصدر منه طبعات جديدة منقَّحة، ينتمي للمكتبة الإدارية ويستخدم المصطلحات المؤسسية من حوافز وإجراءات وقيادة وقرارات إدارية، إلا أنه وغيره من الكتب الإدارية تخاطب الإنسان كأساس قبل أن تزوّده بالأدوات الإدارية والمهارات الخاصة بالمواقع الإضافية والمناصب الإدارية القيادية المختلفة التي قد يجد فيها نفسه سواء ساعياً لها ومدفوعاً إليها ومضطراً لأن يشغلها.

وككل التجارب الحياتية المجانية التي تُقدَّم لنا من خلال الآخرين، يصعب التطوع بالاستفادة منها ولا تفيد إلا من امتلك حسّاً وقائياً يستبق به حدوث الشيء فيتجنبه بدلاً من الوقوع فيه والتعامل معه فيما بعد لتكون له تجربته الذاتية، فما يثير الاستغراب أن المدراء أنفسهم كانوا مرؤوسين ولابد أنهم مرّوا بمدراء من مدارس ومزاجات مختلفة ولابد أن يكون من مرّوا بمدراء سيئين تمنوا لو تخلصت المؤسسة من قبضتهم، ويتعوذون بـ «الله من الشيطان الرجيم» كلما أتى ذكرهم، كما إنهم لابد وأن مرّوا بنماذج أخرى تستحق الاحتذاء لمهارتها في قيادة المؤسسة بمهارة وسلاسة إدارية وإنسانية تجعل من المؤسسة بيتاً آخر والزملاء كعائلة ثانية بشكل حقيقي وليست صفة مجاملة مشتقة من سطر المجاملات الذي يكتبه الخارجون من المؤسسات في وداع زملائهم. إلا أن النماذج السيئة مازالت تجد لها مكاناً في المؤسسات برغم المعاناة التي يكون المدير نفسه قد قاساها عندما كان يوماً مرؤوساً، ورغم علمه بالأثر السلبي لهذا النوع من الإدارة على الموظفين وعلى الإنتاج والمؤسسة بشكل عام.

ليس في الشركات والمؤسسات فقط يحتاج المدير ليتعلم كيف يدير مسئولياته البشرية والمالية والإنتاجية فالمتأمل في النصائح الإدارية يرى تشابهاً كبيراً في إمكانيات تطبيقها سواء من خلال المنصب الإداري وفي الحياة في شكلها الأوسع. فكل شخص هو مدير في مكان ما في الحياة ولديه في مرحلة ما من حياته مسئوليات أشخاص آخرين تقع على عاتقه وعليه التعامل معهم بتساهل أحياناً وبحزم أحيان أخرى وفي أحيان يضطر ليكون قاسياً في حدود تتسع وتضيق بحسب خلفية الشخص ورؤيته القريبة والبعيدة للأمور.

ومن هنا تأتي أهمية الشطر الثاني للنصيحة الإدارية التي وصفها الكتاب للمدراء الجدد بأن يعملوا من اليوم الأول على الصورة التي يودّون أن يتذكرهم بها زملاؤهم ومرؤوسوهم عندما يغادرون المؤسسة. وهذه ليست دعوة لإرضاء الجميع على حساب المصالح العامة ومصالح المؤسسات في نموذج العمل أو على حساب النفس في النماذج الشخصية ولكن مهمة في المواقع التي تتطلب من الشخص أن يجعل جانبه الإنساني موازياً دائماً لأي دور يلعبه في أي موقع كان لكي يحافظ من خلاله على الصورة التي يودّ أن تبقى عنه في الأذهان.

وهذه النصيحة إنسانية خالصة ليست مقصورة على المدراء في المؤسسات وإنما هي للجميع في مواقعهم الحياتية المختلفة. فالسلطة في كل المواقع قوة، وهذه القوة من الممكن أن تستخدم في كل الاتجاهات، لذا تتطلب في الوقت نفسه حسّاً إنسانياً كي يقوّمها دائماً ليحسن من في يده هذه السلطة استخدامها. ولذلك أوصى الكتاب أن يرسم المدير لنفسه منذ اليوم الأول، الصورة التي يرغب أن يكون عليها في يومه الأخير، كي يظل يبني هذه الصورة طيلة الفترة التي سيقضيها في هذا الموقع أو ذاك، ولا شيء أفضل كالمراجعة الذاتية التي تؤمِّن للمدير محافظته على هذه الصورة، فمن شأن القوة مع الزمن أن تغشى الصورة وتمحي تفاصيلها الدقيقة.

في اليوم الأخير يكون المدير/ صاحب القوة مجرداً من هذه القوة ومن السلطة وسيبقى الإنسان فيه هو فقط ما يربطه بزملائه ومرؤوسيه. فمن خُشيت السلطة في يده أو أُقبل عليه بسببها، ستنتفي أسبابها ولن يكون من حوله معه في ذلك اليوم.

صحيفة الوسط البحرينية – نشر بتاريخ 27-01-2016 – العدد: 4890

http://www.alwasatnews.com/news/1072939.html

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s