أبناؤنا بين الاتكال وحقوق المسعودي

في معرضٍ للعلوم لطلبة المرحلة الابتدائية، كانت الصالة تزدحم بمشاريع الصغار المتنافسين على الفوز بالجوائز والدروع. وفيما كانت مشاريع الطلبة والطالبات تتراوح بين مدة تكوّن البكتيريا في أنواع الغذاء، واشتعال زيت قشرة الحمضيات، وتلوين الورود البيضاء بوضع الأصباغ في الماء الذي تنقع فيه سيقانها، ومشاريع كهربائية، كلّها تُظهر أفكاراً أنبتتها للتو شهية طازجة للعلم وهضمتها عقول يافعة، كان في جانب من الصالة، يقف طالب من الصف الرابع بجانب مجسم لمركبة لا يمكن التمييز عما إذا كانت سيارة أو صاروخاً لغرابة شكلها وجودة صنعها.

وما أن أعلنت النتائج حتى ضج الطالب، الذي جاوز العشر سنوات بقليل، برفضه لنتائج التحكيم الذي فازت فيه طالبة قامت بفحص تأثير المياه المالحة على نمو النبات في تجربة استغرقت شهراً كاملاً، ظلت تسقي أصصاً ببذور وتربة متشابهة بمياه تختلف درجة ملوحتها لتسجِّل في خلاصة مشروعها بأن كلما ازدادت ملوحة المياه تأثر نمو النبات سلباً.

ظن الطالب وأهله الذين يبدو أنهم أنفقوا مبلغاً كبيراً لصنع مشروعه المركبة، أنه سيكون الفائز الأول لا محالة من بين مشاريع أعدها الطلبة من مواد بسيطة من أكياس بلاستيكية والخميرة وقشور الحمضيات والبطاريات وغيرها من مواد التجارب المتوافرة وغير المكلفة، ونسوا الهدف الأساس من إقامة المدارس لهذه المعارض وهو استكشاف مواهب الإبداع الذاتي في الطلبة.

ليست هذه الحادثة التي مرّ عليها 15 عاماً سوى ظاهرة قيام الأهل، أو تكليف أشخاص آخرين بأداء واجبات أبنائهم الطلبة نيابة عنهم، وبدأت في الانتشار في ذلك الوقت وتضاعفت مرات كثيرة على مدى السنوات التالية حتى الآن، وسرت في جميع المراحل التعليمية حتى بلغت الجامعات التي هي مكان صقل الخبرات والقدرات العلمية والحياتية، إلا أنها خرّجت أجيالاً على أتم الاستعداد لشراء النجاح في كل مراحل حياتهم التالية متى ما تسنى لهم. ببساطة لأنهم لم يتذوقوا قط طعم الإنجاز والتفوق الحقيقي والنجاح المصنوع ذاتياً حتى وإن كان بسيطاً.

وهذا الجيل ليس وحده مسئولاً عن كسله في اتباع الأسلوب العلمي لتحصيل العلم والمعرفة، فهناك سلسلة ممن تقع عليهم مسئولية إفساد تحصيل أجيالٍ سُلبت منهم فرص التعرف على أو إجادة أساليب التعلُّم التي لا تقل أهميتها – بل تزيد – عن العلوم نفسها التي يقضي الطلبة نحو عقدين من عمرهم على مقاعد الدراسة للتزوّد منها.

فمن دار الحضانة تشفق الأم على ابنها من أن يُعد مشروعاً بسيطاً، فتعده بالنيابة عنه بجودة أعلى، ثم تتغافل المعلّمات ويقبلن مشاريع أعدها الأهل نيابة عن أبنائهم لتحظى بدورها برضا الإدارة، ثم تتباهى الإدارة أمام الوزارة وهيئات الجودة. وتتوالى هذه الممارسات التي تتوسع فيها دائرة اللاعبين وتتنوّع، فيدخل المدرسون الخاصّون من ضمن وسائل تسهيل التحصيل على الطالب الذي يعتقد، ويعتقد أهله، أنه غير قادر على مراجعة الدروس وحده، وحل الواجبات، وإعداد البحوث، ثم يتقدم هذا الطالب إلى الجامعة فلا يرى عيباً في شراء البحوث و «قص ولزق» الأعمال السابقة لغيره ونسبها إلى نفسه، ليس بالضرورة بنوايا سيئة وإنما للجهل، ربما، بالأسلوب الصحيح للعمل البحثي.

وزارة التربية والتعليم وعت أخيراً لفداحة اللامبالاة بظاهرة شراء البحوث، فأعلنت في تصريح لها، أنها بصدد اتخاذ إجراءات تسهم في تنمية قدرات الطالب البحثية عن طريق توضيح أهمية البحث العلمي للمعلمين والطلبة، وعمل دورات تدريبية للطلاب في كيفية إعداد البحوث بطريقة علمية، والتدرُّب في مركز مصادر التعلم للبحث والمطالعة وإعداد التقارير، مما يساعد الطلبة على إنجاز بحوثهم وتقاريرهم بأنفسهم وبإشراف معلميهم. كما أنها تنوي إدخال تقويم بحث الطالب استناداً إلى نظام التقويم في توحيد المسارات، عن طريق تخصيص نسبة من درجات البحث للمناقشة واعتماد مقرر «أساليب البحث العلمي» في كافة الجامعات الحكومية والخاصة. (صحيفة محلية).

تربية الاتكال على الآخرين التي تتّبعها أسرٌ كثيرة بدافع تسهيل حياة أبنائها الدراسية و «شراء» راحتهم، لا تخلق جيلاً كسولاً يعتمد على أطراف خارجية تفكّر له وتفكّر عنه فحسب؛ وإنما تربي جيلا ًلا يمانع أن ينسب لنفسه عملاً لم يقم به، بل ويفتخر به أيضاً. فالأبناء يتعلمون من سلوك أهلهم أكثر من نصائحهم الشفوية. ومع التقدم في الحياة العلمية والعملية تكبر تبعات هذه الممارسات التي تتم لسبب عدم الإلمام بأخلاقيات ومهارات التعلّم والبحث، وتتحوّل إلى «جرائم أدبية» غير مقبولة، سواء في المؤسسات التعليمية أو في أي نشاط بحثي آخر وهو ما يسمى بالانتحال (Plagiarism) ويعني عملية تمرير كتابة كلمات أو أفكار شخص آخر على أنها كلمات وأفكار الكاتب، ويعتبر الانتحال تسلطاً على حقوق الآخرين الأدبية بالسرقة والاقتباس غير العلمي من المصادر والأصول.

ومن المخجل أن يجرى التنبيه لأهمية حماية حقوق الملكية في هذا الوقت بعد مرور نحو 1058 عاماً على وفاة أوّل من حذّر من عدم احترام حقوقه الملكية لكتابه «مروج الذهب ومعادن الجوهر»، وهو العربي أبو الحسن علي بن الحسين بن علي المسعودي الذي قال بعد التهديد من تغيير أو تزييف ما جاء في كتابه، أو نسبه إلى غيره: «وقد جعلت هذا التخويف في أول كتابي وآخره، ليكون رادعاً لمن ميله هوى، أو غلبه شقاء، فليراقب الله ربه، وليحاذر منقلبه، فالمدة يسيرة، والمسافة قصيرة، وإلى الله المصير».

صحيفة الوسط البحرينية – نشر بتاريخ 25-11-2015 – العدد: 4827

http://www.alwasatnews.com/news/1049386.html

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s