يوم “كوروني” في حياة العاملة نور

هناء بوحجي

تستيقظ نور في الخامسة صباحاً كعادتها ما قبل الكورونا، تنزل من غرفتها في الطابق الثاني إلى الطابق الأرضي. تعد الإفطار، تأتي بالصحيفة من الصندوق المعدني المثبت على سور المنزل الخارجي. تصعد إلى الطابق الأول. تنقر على أبواب الأبناء كي يستيقظوا. تستيقظ الأسرة إلا أحد الأبناء الذي يبدأ يومه متأخراً. يتناول الجميع إفطارهم. يطلب الابن المتأخر إفطاره فيما بعد. تعاود تسخين الإفطار وإعداد سندويتشات من جديد.

عندما تفشت جائحة كورونا، كان قد مرَّ عامٌ على عمل نور، عاملة المنزل، لدى هذه الأسرة المكوَّنة من أم وأب عاملين و3 أبناء في المرحلة الإعدادية والجامعة.  تعيش الأسرة من منزل مكون من أربع غرف نوم في الطابق العلوي وغرفة نوم في الطابق الأسفل تقيم فيها والدة ربة الأسرة بعد أن سافرت عاملتها ولم تعد تقوى على القيام بالأعمال المنزلية وحدها.

منذ أن تفشَّت جائحة كورونا تضاعفت أعباء العمل المنزلي الذي تقوم به نور أضعافاً بوجود الجميع في البيت في كل الأوقات. وكان كل إجراء احتزاري أو وقائي يضيف إلى نور أعباءً جديدة.

تستغل نور وجود غالبية أفراد الأسرة على مائدة الفطور فتسارع لترتيب الغرف، وتنظيف الحمامات، وجمع الغسيل وفرزه استعداد لوضعه في الغسالة على دفعات. تستيقظ الجدَّة وتطلب إفطارها في غرفتها فتأخذه نور لها. تعاتبها الجدَّة لأنها لم تجلب قناني مياه إضافية لاستخدام اليوم. تعتذر لأنها لا تستطيع أن تحمل صينية الإفطار وقناني المياه في آن.

تجلب نور قناني الماء للجدَّة، ثم تذهب إلى المطبخ الخارجي لتخرج اللحوم المثلجة لإعادتها إلى حرارة الغرفة حتى يحين موعد طهيها للغداء. تبدأ جلي أواني الإفطار.

يعود الأبناء إلى غرفهم لمتابعة دروسهم إلكترونيا، ويأخذ الأم والأب أماكنهما التي أعدَّاها منذ أن بدأ العمل من المنزل.

تواصل نور غسل دفعات الملابس بينما تكنس المنزل، وتنفض الغبار، وتعيد ترتيب غرفة المعيشة التي أصبح أفراد الأسرة يستخدمونها كثيراً. تطلب الأم منها إعداد القهوة، بينما يفضل الأب الشَّاي الأحمر بالنعناع.

تنتهي من إعداد الغداء، تعدّ المائدة، تناديهم من الأسفل، تناديها الجدة لتناولها قنينة الماء والدواء. تجتمع الأسرة من جديد. طلبات متناثرة تأتيها لجلب قنينة ماء، منكّهات الغداء، صحن إضافي، ملعقة صغيرة…

ينتهي الجميع، يحمدون الله ويشكرونه كثيراً على النعمة ويتركون مائدة الغداء لتناول شاي ما بعد الغداء وقضاء النصف الثاني من اليوم أمام التلفزيون أو تصفح الموبايل أو أي نشاط آخر استجدَّ مع البقاء في المنزل. تعيد نور ترتيب المكان وتجلي أوني الطهي والغداء.

بعد ذلك تبدأ فقرة طي الملابس وكيّها وترتيبها في أماكنها في خزائن الملابس في غرف أفراد الأسرة.

تحتاج الجدّة وجبة خاصة خفيفة للعشاء. يقرر الأبناء طلب العشاء من الخارج. فيرن جرس الباب، يصرخ أحدهم من الأعلى لتذهب نور لجلب الطلب من عامل التوصيل، وألا تنسى رشّ أكياس الطلب بالمعقّمات قبل أن تصل لأيديهم، وأن تغسل علب المشروبات الغازية قبل أن يفتحوها. تنتبه الأم أن حاوية الشّاي خالية فتطلب من نور أن تعدّ حاوية أخرى وأن تجلب أكواباً نظيفة بدلا عن الأكواب المستخدمة بعد الغداء.

تجلب الشاي وتأخذ في طريقها مخلّفات وجبة العشاء من الأكياس والأواني البلاستكية. تجلس نور على كرسي في المطبخ لترتاح قليلاً فهي لا تستطيع الذهاب لغرفتها فقد تحتاجها الجدّة لأمر طارئ.

خلال اليوم، على نور أن تفتح الباب لاستلام الطّرود، واستقبال عمّال الصّيانة ومرافقتهم لأداء عملهم داخل المنزل. أيضاً عليها أن تخرج أكياس القمامة على دفعتين بعد أن زاد عددها.

عندما تعود نور إلى غرفتها في المساء تتذكر أنها لم تتمكَّن من تناول وجباتها كاملة، وأن تذهب إلى الحمّام، وأن تصلي. تفتح هاتفها الجوال. تتحدث مع ابنها الوحيد في بلدها، فيخبرها أنهم لا يخرجون من المنزل لأن الحكومة فرضت حظر التجوّل، تفكّر في العودة، لكن الرّحلات الجوية متوقفة، وتتذكر رسوم مدرسة ابنها وأدوية والدتها وأن أقساط الدين الشهرية التي دفعت بها رسوم مجيئها إلى هنا، ستنتهي بعد 6 شهور، تُطمئن ولدها أنها تحبه كثيرا وأنها ستعود بعد عام، لا تدري متى سقط الجوال من يدها عندما يرنّ المنبه وتستيقظ في الخامسة تماما، من جديد.

نور هي نموذج لعاملات المنازل أثناء فترة الاغلاقات العديدة والعمل والدراسة من المنزل التي تمرّ بنا منذ تفشي جائحة كوفيد 19 في مارس 2020، ولاتزال متواصلة إلى أجل غير معلوم. وكلما طالت الاحترازات وزاد الحذر، وتشدّق الناس بوسم “أنا باق في المنزل” في وسائل التواصل الاجتماعي، وتواصل العمل والدراسة عن بُعد، كلما زادت مسؤولياتهن.  وقد لا تكون أوضاع العاملة نور هي الأسوأ، فبعض الأسر تتكون من عدد أكبر من الأفراد، وبعض العاملات لا يملكن رفاهية الإقامة في غرفة خاصة. البعض فقد أرباب أسرهن وظائفهم فأصبحت أجورهن الشهرية مهدَّدة، البعض لا يعبأ أرباب أسرهن بتحويل أموالهن إلى عائلاتهن لتخوفهم من الذهاب إلى أماكن الصرافة المزدحمة. البعض يُحرمن من أدوات الوقاية والتعقيم التي تحرص الأسرة على استخدامها عند تواصلها مع العالم الخارجي، ولا تراها ضرورة للعاملة رغم أنها صلتهم بالعالم الخارجي عندما تتولى مهمة فتح الباب لكل طارق. البعض تمادى كثيراً في تعقيم الأرضيات وأسطح المطابخ بمحاليل التطهير دون أن ينتبه لحماية يد العاملة بقفازات وقاية خاصة، فقد باتت تعاني من الجفاف الشديد وتشقق الجلد. البعض ترك مسؤولية أفراد الأسرة المحجورين بسبب إصابتهم بفيروس كورونا، للعاملة لتتولى رعايتهم وتنظيف غرفهم وحمّاماتهم وجلب الطعام إليهم دون أية وقاية لهن. البعض لا يعي الاختلاف بين العمل المنزلي والعبودية التي انتهت من العالم المتحضر. البعض لا يميّز بين عاملة بطاقة إنسان، وبين آلة يمكن تشغيلها بلا توقف. البعض لا يرى ضرورة في أن يدفع للعاملة بدلاً عن العمل الإضافي المنهك الذي تقوم به بسبب تواجد جميع أفراد الأسرة كل الوقت في المنزل.

كثيراً ما يتحدث أصحاب الأسر عن هروب العاملات من منازلهم، لكن لا أحد يسال مالذي يدفع عاملة قطعت هذه المسافات وأنفقت كل هذا المال، لتهرب من منزل الأسرة التي تعمل لديها وتلجأ لمركز الشرطة أو لأي ملجأ آخر، إذا كانت تحقق هدفها الذي تحملت كل ذلك من أجله، وفق قدراتها وطاقتها الجسدية والنفسية والإنسانية.

قانون العمل في البحرين الذي أدخل عمال المنازل تحت مظلة 13 مادة منه، لايزال غير شامل لبنود الحماية كساعات الراحة الإلزامية، وأيام الراحة الأسبوعية، وتحديد ساعات العمل، وبالتالي تحديد بدلات عن ساعات العمل الإضافية. كما أن العقد الثلاثي يترك الأمر لصاحب العمل ليقرر ساعات العمل والحد الأدنى للأجر. لكن هل تحتاج إنسانيتنا إلى قانون لكي تنتبه أن العاملة في منزلنا هي إنسانٌ مثلنا، موظفة مثلنا في أعمالنا، ولديها طاقة على العمل والاحتمال، مهما كبرت، فهي محدودة مثلنا، ولديها أيضا من الكرامة الإنسانية مثلنا، وإلا فلمَ تتحمل عناء ترك عائلتها وأحبابها وحياتها وراءها، وتأتي من أقصى الأرض بحثاً عن عمل “شريف” تحت رحمة أسرة لا تعرف عنها شيئاً، كي تعمل وتوفر العيش الكريم لمن ينتظرونها في بلدها!

هل يساعد “العفو” العمالة غير النظامية لمواجهة تبعات تفشّي “كوفيد 19” في البحرين!

هناء بوحجي

مع تصاعد وتيرة الخوف من تبعات تفشي فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19)، وبشكل مواز، تزايد جهود مكافحة انتشاره في البحرين، تماشياً مع كل دول العالم، يُخشى أن تكون هذه الجهود الكبيرة والحثيثة التي تبذل في علاج المصابين، ومتابعة الحاملين المحتملين لهذا الفيروس لأسباب السفر والمخالطة، والتحذيرات التوعوية الكثيفة، غير محكّمة Continue reading →

مساكن العمال … بؤس ثلاثي الأبعاد

هناء بوحجي

ماذا يعني ألا تزيد مساحة الخصوصية فيزيائيا لرجل، ولمدة غير معلومة من السنوات، عن 1,7 متر مربع هي عبارة عن سرير رديء الصنع، يعلوه سرير آخر وتحدّه أربعة أسرّة، اثنان بـ “طبقتين” أيضا، يلتصق كل منهما بسريره ناحية الرأس والأقدام.

Continue reading →

كي لانكون النخّاسين الجدد

استعرضت الصحافية مارثا ميندوزا في ورشة تدريب نظمتها الشبكة الدولية للصحافة الاستقصائية على هامش المؤتمر الدولي للصحافة الاستقصائية الذي عقد في جوهانسبرج العام الماضي تحقيقها الذي حصل على جائزة بولتزر والذي تحرر بعد نشره 2000 من ضحايا العبودية والاتجار بالبشر من عمال صيد الأسماك على جزيرة بنجينا الإندونيسية. Continue reading →

وجه الساعة التقليدية إلى المتحف

هناء بوحجي

قرأت – متأخرة – خبراً نُشر قبل أكثر من شهرين عن نية المدارس في بريطانيا إزالة “الساعات التقليدية” من قاعات الامتحان واستبدالها بالرقمية، ذلك لأن الطلبة يجدون صعوبة في قراءة الوقت منها، وذلك في تصريح لرئيس اتحاد المعلمين لصحيفة الديلي تلغراف، وأيّده في ذلك أمين عام اتحاد رؤساء المدارس والجامعات البريطانية، قائلا: Continue reading →

إنه غير زمن عاتكة !

عندما توفي شقيق ابن حزم، في رواية “طوق سر المحبة” للكاتب المغربي عبد الإله بن عرفة، في عام 401 هجري، بسبب تفشّي الطاعون؛ كانت زوجته عاتكة تبكيه ليل نهار حتى ذبلت، وركبها المرض، وعلاها السقام، وكانت تقول لأمها وجاريتها: “ما يقوِّي صبري ويمسك رَمَقي في الدنيا ساعة واحدة بعد وفاته، إلا سروري وتيقّني أنه لا يضمه وامرأةً مضجعٌ واحد أبداً Continue reading →

أيّها الإعلاميون… رفقاً بأيامنا المقبلة

من الأدب الإنساني، وفي كل الثقافات، أنه عندما يأتينا ضيف، نتجنب الاختلاف في حضرته، وإن اختلفنا نتجنب أن نرفع أصواتنا بخلافاتنا، وإن رفعنا أصواتنا فننتقي ألفاظنا احتراماً له واحتراماً لأنفسنا أمامه.

Continue reading →

تمّ… كرامة في العراء

ارتبط شهر رمضان ارتباطاً وثيقاً بالعطاء، كونه شهر الخير والبركة للمسلمين. ويتنوّع العطاء ويأخذ أشكالاً متعددة تبدأ من الزكاة وتطهير المال، كما تزدهر الصدقات ولا يقلق المحتاجون والأقل حظاً في هذه الحياة على وجبتهم اليومية التي سيجدون من يتكفل بها وبما يفيض عنها، توسلاً للثواب والأجر. Continue reading →