“خمسون غراماً من الجنة” لإيمان حميدان: حكاية الحب والحرب والمرأة

تحكي رواية “خمسون غراما من الجنة” لإيمان حميدان، الفائزة بجائزة كتارا في 2016، عن نماذج لحيوات أشخاص يعيشون في مناطق الحرب حيث تؤخذ مصائرهم إلى طرقات ليست في الحسبان حين يسود القويّ وتضيع الحقوق ببساطة، ويخطف الموت والظلم السعادة من أيدي الناس بشكل عبثي.

والرواية الصادرة عن “دار الساقي” تدور أحداثها بين سوريا وبيروت واسطنبول، مثقلة بقدر كبير من الألم والمعاناة التي تسببها صراعات سياسية واجتماعية يروح ضحيتها شعوب بأكملها، إذ يُزجّ بها في هذه الصراعات دون إرادتها فتحرم من حق الحياة الطبيعية وتتكاثر فيها الأمراض الاجتماعية والفساد.

في هذا الركام والخراب السياسي والاجتماعي والنفسي، ولدت حكاية عشق بين نورا، الشابة التي هربت من ظلم التقاليد والطبقية المتفشية والأوضاع السياسية المربكة في سوريا والتي كانت سببا في انتحار شقيقتها هناء بعد حملها من ضابط مخابرات حمّلها مسئولية التخلص من “العار” وحدها، واشاعه وفاتها بلدغة ثعبان، وبين كمال التركي بعد لقاء المصادفة بينهما في إسطنبول حيث كان تعد تقريرا عن المدن المتوسطية.

في الفصل الأول تفتح حميدان أبوابا من التشويق لفصول الرواية التالية، فتمد وبسرد رشيق خيوطاً بين أحداث الرواية وشخوصها كي تتشابك في مفاصل تحبكها فيما بعد. في هذا الفصل تموت نورا بطلة الرواية بكاتم الصوت وتُحشر ببساطة دون انتباه أحد في سيارة يسوقها القاتل وتركن في زاوية مهملة من المدينة، وتُعلن في اليوم التالي قتيلة في انفجار سيارة. مجرد سطر في الإعلام ينهي حياة امرأة صاخبة من الداخل ومليئة بمشاعر متفجرة من القهر والظلم والرغبة في الانتقام والتوق إلى الحرية والحلم بحياة آمنة.

في الدقائق الأخيرة من حياتها، عندما تيقنت نورا أنها محاصرة بالموت وأن سبلها بالحاضر تتقطع ولا حول لها ولا قوة للنجاة، استعرضت أحداث حياتها في مخيلتها كشريط سريع اختصر محطاتها المفصلية وكأنها تراجعها وتتأكد من أنها الأهم التي قادتها إلى هذه اللحظة التي تكون فيها ضحية صراع اجتماعي وسياسي ممتد لأزمنة وأمكنة ما قبل الرواية كما ستكشف الأحداث فيما بعد.

الرواية تدور في زمنين تفصل بينهما 16 عاما. بين موت نورا في 1978، وبين ذلك اليوم في 1994 الذي دخلت فيه الصحافية مايا، العائدة من باريس، أحد مباني بيروت المتضررة من الحرب لتعد موضوعاً عن إعمار وسط بيروت فتجد حقيبة الخطابات والمذكرات بين نورا وكمال ليبدأ تفكيك الخيوط وتوصيل النقاط ورحلة البحث عن الحقيقة.

استخدمت حميدان هذه الخطابات والمذكرات لنسج أحداث الرواية فكشفت خطابات كمال لنورا عن تطور العلاقة بينهما في المساحة الفكرية التي جمعتهما من عمل إلى صداقة إلى علاقة عشق وزواج أثمر طفلا. في خطاباته كتب كمال أيضاً عن “ديكتاتورية السلطة الأتاتوركية التي عملت على صهر كل الناس تحت مظلة هوية واحدة وثقافة واحدة في محاولة لبناء أمة واحدة على حساب حريات الناس واثنيات وأقليات غُيرت مصائرها بالقوة والعنف بلغ حتى منع أي شخص من الحديث بلغة غير التركية وتم تغيير أسماء العائلات كي تناسب القومية الأتاتوركية الجديدة”. في خطاباته، نما عشق كمال لنورا بتوالي الخطابات على مدى ثلاث سنوات، وفي إحداها ولد عنوان الرواية عندما سرد حديثا بينه وبين بائع تذكارات في خان الخليلي بمصر كان يحاول بيعه عطرا في قارورة بألوان قوس قزح. قال له البائع: كم تريد ياسيدي؟ هل خمسون غراما من الجنة تكفي؟ أسعده السؤال، فكتب لنورا “يكفي أنه يعرض على الجنة، وما يعرضه كثير علي يا حبيبتي. كثير، يكفيني غرام واحد من جنتنا معا…”

من محتويات الحقيبة المدفونة تحت الركام أعادت مايا الحياة لأبطال الرواية ومعهم وتكشفت أوضاع بيروت في أيام الحرب التي كانت دائرة في زمنهم وحالة الفوضى التي كانت تنال من حياة الناس وكيف كان رجال المخابرات السوريين يتحكمون في الشارع وفي مصائرهم. مذكرات نورا أوصلت مايا إلى صباح، جارة نورا، السيدة التي ائتمنتها في يومها الأخير على ابنها كريم حديث الولادة، ولكنها باعته بعد ستة أشهر لزوجين هاجرا إلى أوربا، في حادثة يبدو أنها تحولت في حينها إلى ظاهرة مع نشوء جيل أيتام الحرب. تغوص مايا في تفاصيل أبطال “أوراق الحقيبة” وتتماهى معهم، وتعدل عن فكرة العودة مع ابنها إلى فرنسا، ويصبح كمال مركز اهتمامها بعد تواصلها معه لتوصيل أمانة “الأوراق” له، لتصبح في النهاية “بطلة بالصدفة” في الحكاية وجزءا منها.

شكلت حميدان شخصياتها من مستوى فكري يتشرب التجربة ويتفاعل معها حد النضج، ليخرج منها بما يشبه الحكمة. فالرواية مطعمة بخلاصات تجارب ذاتية لأشخاص تحكّمت في أقدارهم الحروب والهجرة والموروثات الاجتماعية. عن الهجرة والمهاجرين، تقول مايا عن مصلّح الأحذية الأرمني “بقي يحلم بيريفان عاصمة أرمينيا لمدة 60 عاماً هي عمره الذي قضاه في بيروت، زيارة واحدة كانت كافية كي يعلم أنه خسرها إلى الأبد.” وتقول نورا “نحن مهاجرات غير مرئيات، كالمدن التي يسكنها المهاجر، لا يراها بل يرى في كل زاوية منها ما يشبه مدينته وما يذكره بها.” وفي حث نورا على الهجرة أوصتها جدتها شاهاني من على فراش الموت “أن الحياة حق لا يؤجل إلى الغد، وأن المكان أينما أكون هو مرآة روحي ولا بد سيشبهني”

وعن لحظاتها الأخيرة التي قضتها مع زوجها الذي كان يموت حينها بالسرطان قالت مايا ” نقضي سنوات مع آخر ولا ننتبه لشكل يديه إلا لحظة الفراق”

وتقول صباح المثقلة بالفقد والفقدان كما تكرر “لولا النسيان والشعور بالندم الذي يحنو على ذنوب ردمناها، لكنا صعدنا إلى سطوح أبنية بيروت ورمينا أنفسنا وتخلصا من ذنوب الماضي”.

وللمرأة أفردت الكاتبة مساحة عبّرت عن الظلم والقهر الذي تعاني منه عبر الثقافات والأجيال وكيف أن الصبر في الرواية هي مفردة لاستخدام المرأة في علاقتها بالرجل وبالمجتمع وتقاليده، ومنهن والدة كمال التي وصفها بـ”أن على سحنتها ظل ارتباك دائم كأنها تقيم في حالتين معا: حالة المرأة التي تحلم بشيء خاص لها ولا تحتاج لجناحين كي تطير، وحالة المستسلمة لوضعها كقدر لا يتغير”. كرهت والده ونزقه واحتقاره لها وكرهت حتى تعليق صورة للعائلة هو فيها. سمعها ذات مرة تقول “حتى في الصور، عليّ تحمل وجوده قربي”. وفي تحولات العلاقة الزوجية غير المعروف سببها بين مايا وزوجها زياد وشعورها بالذنب وحيدة عن ذلك، وفي تخلي حبيب صباح عنها وهروبه وتركه إياها تواجه مصير “المدقورة” وحدها وتؤقلم قلبها على شبيه له بالإسم فقط وتقضي ما تبقى من عمرها في انتظارهما. وفي قصة انتحار هناء التي كانت ستُطمر حفاضاً على شرف العائلة لو إصرار نورا على الكتابة عنها.

أبدعت الروائية إيمان حميدان في روايتها الرابعة “خمسون غراما من الجنة” في توثيق روائي ليس لمقدار الدمار الذي يصيب المدن التي تكون مسرحا للحرب ويشوه أبنيتها وشوارعها ويعشش في ذاكرتها فحسب وإنما لفرص الحياة الضائعة للناس الذين يُقدر لهم أن ينتموا لهذه المدن، وكيف يجبرهم على التخلّي عن قيمهم من أجل النجاة وكيف يموتون إن أصروا على البحث عن الحق والعدالة.

https://www.alayam.com/alayam/Variety/778887/News.html

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s