تعليم الطفل… خط أحمر

في السبعينات، وربما ما قبلها، كان هناك معياران للقبول في الصف الأول الابتدائي، الأول هو لف الذراع اليمنى على الرأس من الأعلى فإذا لمست أصابع اليد الأذن اليسرى، يتقدّم الطالب المستجد للمعيار الثاني وهو أن يحتوي فكاه على ما مجموعه واحد وعشرون سناً، بعدها يصبح الطالب أو الطالبة مؤهلين لبدء مسيرتهما التعليمية.

ربما يتمنى الأهل لو عادت تلك الأيام حتى تكون هناك معايير أخرى غير شهادة الميلاد التي أصبحت هي الوثيقة الوحيدة التي يستند عليها القبول. ذلك لأنه على غير المعتاد أصبح للقبول في المدرسة طوابير انتظار وبدأت وزارة التربية والتعليم التي تعاني من ضغط المتقدمين للتسجيل بتجاوز العدد 9000 طفل، تبتكر حلولاً لتخفيف الضغط على الطاقة الاستيعابية للمدارس المتوفرة، فقامت بتحديد شهر الولادة بحيث يكون عمر الطالب المستجد لا يقل عن 6 سنوات في وقت بدء الدراسة ابتداءً من سبتمبر هذا العام والأعوام التالية. وذلك بعد أن كانت تترك المجال مفتوحاً حتى شهر يناير من العام التالي للعام المحدد للتسجيل. قبول 9000 طالب يعني وجوب توفير 4 فصول في 75 مدرسة بـ 30 طالباً في كل فصل.

سيكون تقبل القرار الجديد صعباً على الأهالي الذين ينتظرون بفارغ الصبر تسجيل أبنائهم في المدارس، ولن يعذر أحدٌ قلة حيلة وزارة التربية والتعليم في استيعاب الطلبة المستجدين، وقد يفكّر كثيرون في خيار المدارس الخاصة، مما قد يصب في صالح وزارة التربية إلا أنه لا بد لتغيير خيار الأسر هذا من ضغوطات قد تضطر هذه الأسر لتحملها على مدى الـ 12 سنة التالية لهذا الخيار.

قرار وزارة التربية هو واحد من قرارين يشغلان بال الكثير من الأسر التي لديها أبناء في المراحل الدراسية المختلفة، وتعتبر خيار التعليم في المدارس الحكومية هو خيارها الأفضل.

القرار الآخر الذي لا يزال في طور «الصنع» في مجلس النواب هو فرض رسوم سنوية بقيمة 400 دينار على كل طالب غير بحريني يدرس في المدارس الحكومية وعددهم نحو 16 ألف طالب. وبنى النواب مستندات قرارهم على أن الطالب الواحد يكلف وزارة التربية والتعليم أكثر من 3000 دينار بحريني سنوياً، بحسب رئيس لجنة الخدمات، عباس الماضي، التي اقترحت هذا القرار، وأن هذا المقترح جاء أسوةً بدول الخليج المجاورة التي إما أن تمنع أبناء الوافدين من الانتظام في المدارس الحكومية أو أنها تفرض رسوماً عليهم.

وعلى رغم أن الايراد المتحصل من الرسوم المقترحة هو 6.4 مليون دينار، تعادل 13 في المئة فقط من التكلفة الحقيقية لتوفير التعليم بشكل مجاني للأجانب، إلا أن هناك عدداً من العوامل التي يجب أن تؤخذ في الاعتبار قبل فرض مثل هذه الرسوم، لسبب أن التعليم هو أحد خدمتين يعتبر فرض رسومهما على المستفيد منها مباشرة منافياً لتوجهات التنمية الإنسانية بشكل أساسي. ولذلك فإن البند الأول من المادة 28 من اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل لعام 1989 والتي انضمت لها البحرين في العام 1991، جعل التعليم الابتدائي إلزامياً ومتاحاً للجميع، وتلزم الاتفاقية الدول الموقعة على هذه الاتفاقية بالاعتراف بحق الطفل في التعليم (…) على أساس تكافؤ الفرص. وينص البند الأول من المادة (2) من الاتفاقية نفسها على أن تحترم الدول الأطراف الحقوق الموضحة في هذه الاتفاقية، وتضمنها لكل طفل يخضع لولايتها دون أي نوع من أنواع التمييز.

الأرقام تشير إلى أن الطلبة (الأجانب) كما سمّاهم مجلس النواب في القرار المقترح، والمسجلين في المرحلة الابتدائية خلال العام الدراسي 2015/ 2016، يشكّلون نحو 60 في المئة من الطلبة الذين يوجه القرار المقترح لهم، تحميهم اتفاقية حماية حقوق الطفل.

وعلى رغم محاولة التماس العذر للنواب الذين يبحثون مع الباحثين عن سبل خلق إيرادات بأي شكل من الأشكال وبأي تشكيلة من الرسوم في أي قطاع كان، وعلى رغم أن بعض هذه الرسوم تؤدي الصرامة في فرضها إلى التهذيب كما حدث في رسوم المرور الباهظة، والتي من المؤمل أن تفرض رسوماً مشابهة لها لحماية البيئة ولنظافة الشوارع من المنتهكين؛ إلا أن هذا البحث يجب أن يتوقف ولا يتجاوز الخطوط الحمراء في القطاعات ذات العلاقة المباشرة بالتنمية الإنسانية. ولذلك لا تتوقف الدول «الميسورة نسبياً» حتى في أحلك أوقات الشدة التي تمر بها موازناتها، عن مساعدة الدول الأقل حظاً ونماء في مجالات التعليم والصحة، وأقرب مثال على ذلك عندما تعهد جلالة الملك في أبريل/ نيسان الماضي ببناء 30 معهداً أزهرياً في مختلف المحافظات المصرية.

التدقيق في مقترح النواب يكشف أن المتأثرين بهذا القرار هم الوافدون العرب، إذ لا يمكن لغير الناطقين بالعربية أن يلتحقوا بالمدارس الحكومية مما يخلق مسئولية إضافية تجاه تعليم أبنائهم، حتى أولئك من الفئة العمرية التي لا تغطيها بنود الاتفاقية الإلزامية، وإنما بنود اختيارية تدعو لتوفير التعليم المجاني للمراحل الإعدادية والثانوية بحسب ما يكون مناسباً.

في بحثنا عن سبل النجاة من الأزمات وما قد تفرزه النزاعات والحروب وانخفاض المداخيل لأي سبب كان، نطرق كل الأبواب، وقد يسقط من حساباتنا الكثير من الثوابت، ولهذا تذكّرنا مواثيق حقوق الإنسان بالخسارة الكبيرة المترتبة على الخطأ الكبير الذي قد نقع فيه إن أغفلنا الإنسان من حساباتنا.

كل ما نحتاجه في رحلة محاولات الإنقاذ هو أن نتمسك بكل قوتنا بحبال النجاة، ولكن لابد من أن نرخي شدتها عندما يأتي الأمر إلى اختبار إنسانيتنا.

 

نشر في جريدة الوسط العدد 5289 – الأربعاء 01 مارس 2017م الموافق 02 جمادى الآخرة 1438هـ

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s