القفز على الإعاقة

أم محمود، هي امرأة عربية زوجة للاجئ عربي أيضاً، لاجئان إلى برلين منذ أن بدأت حياتهما الزوجية، شاءت الأقدار أن يأتي طفلها الثاني، والولد الوحيد في العائلة التي تضم أيضاً ثلاث أخوات، بمشكلة صحية في القلب جعلته يبقى تحت العناية المكثفة في المستشفى شهوراً بعد ولادته، ثم بدأت حالته تتحسن وأصبح يتغذى بالأنبوب عن طريق الأنف.

شعرت أم محمود لشدة شغفها بطفلها الصغير، أن بإمكانها أن تتعلم كيف تثبت ذلك الأنبوب، وشيئاً فشيئاً استغنت عن الممرضات ونجحت في ذلك فعلاً تحت أعين الممرضات، ثم طلبت من المستشفى السماح لها بأخذ وليدها إلى المنزل مادام بإمكانها تقديم الرعاية نفسها هناك. وافقت إدارة المستشفى وفوجئت أم محمود بأنها بقرارها رعاية ولدها في المنزل ستتحول إلى موظفة حكومية، ذلك لأن مسئولية رعاية الولد المعاق هي مسئولية الدولة أو هي مسئولية المجتمع الذي أوكل للحكومة مهمة بالقيام بهذا الدور عنه.

لم يكن هذا كل شيء، فلأن الخلل الذي يعاني منه محمود هو خلل سيتواصل معه مدى الحياة، وأنه سيحتاج رعاية دائمة من والدته، فقد عرفت أم محمود فيما بعد أنها ستحصل على الراتب حتى تصل سن التقاعد، ثم سيكون لها راتب تقاعدي. كما حصلت على شكر شفهي من إدارة المستشفى لأنها بتطوعها بالعناية بطفلها في البيت، قد أسدت للمستشفى معروفاً، إذ أخلت لهم سريراً، وتبرعت بوقت الممرضات المخصص لطفلها، كحق لمواطن ألماني ولد بخلل مزمن في التكوين الجسدي، لآخرين.

عندما التقيت محمود كان في الرابعة عشرة، بدا لي محظوظاً بالرعاية الدقيقة والمتابعة التي كان يتلقاها بانتظام منذ ولادته من مختلف الجهات التي تتابع العائلة معها حالته. بدا محمود مراهقاً طبيعيّاً وسعيداً بجرأته في الحديث والمشاركة في كل أنشطة العائلة، وكذلك بدت عائلته التي تعيش في شقة في حي متواضع يبدو غالبية سكانه من المهاجرين.

لم يكن محمود طفلاً معاقاً عند ولادته؛ لكنه صنّف من ذوي الاحتياجات الخاصة وتحملت الحكومة مسئولية تلبية هذه الاحتياجات، وكانت الرعاية التي يحصل عليها محمود كفيله بمساواته بمن في عمره ممن يتمتعون بتمام الصحة الجسدية. وكان والده يتحدث عن تكاليف باهظة هي قيمة الخدمات الصحية التي يحتاجها محمود؛ لكنها تمر عليه للعلم فقط.

ليس كل ذوي الاحتياجات الخاصة الذين يمثلون 15 في المئة من سكان العالم بحسب أرقام منظمة الصحة العالمية، محظوظين كما هو محمود وغيره من يعيشون في مجتمعات تعتبر الإعاقة، تحدياً لابد من تجاوزه ليحظى أبناؤها بفرص متساوية للحياة والمشاركة المنتجة.

محلياً، وعلى رغم أن البحرين تعتبر من أوائل الدول الموقعة على اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة منذ 2007، إلى أنه لايزال الكثيرون يعانون بصمت من عجزهم عن تقديم ما يتمنون للتعامل مع إعاقات أبنائهم، بسبب عدم توافر الخدمات الصحية والتعليمية وحتى الترفيهية العامة المتخصصة، فإلى جانب مراكز التأهيل العامة تلبي احتياجات قوائم انتظار على خدماتها، فغالبية المراكز يتوجب دفع رسوم لقبول الطلاب فيها. ومع ذلك إحدى الأمهات الميسورات ذكرت أنها عانت معاناة شديدة للحصول على مقعد لابنها المصاب بدرجة متوسطة في أحد مراكز رعاية المصابين بالتوحد، وهي من المساهمات في موازنة هذا المركز. وهي تعاني الآن بعد أن استكمل سنوات الدراسة من فشل محاولات إدماجه في المجتمع. الكثيرون لا يمكنهم تسجيل أبنائهم في المراكز المتوافرة بسبب الرسوم العالية التي تتجاوز المبلغ المخصص من وزارة التنمية الاجتماعية وقيمته 100 دينار.

المعاقون ليسوا حالة نادرة في المجتمعات. فبحسب أرقام منظمة الصحة العالمية يصل عدد المعاقين محلياً إلى نحو 100 ألف شخص يعانون بدرجات مختلفة من شكل من أشكال الإعاقة. هؤلاء لا يمكن رهن حقوقهم الإنسانية أولاً وحقوقهم كأشخاص ولدوا باحتياجات خاصة بكرم المجتمع وتكرم المؤسسات بوضع مساعدتهم كبند على المساهمات المجتمعية. فهم ليس أفراداً معروضين للشفقة؛ وإنما هم نسبة من المجتمع تستحق أن تفخر الجهات المعنية بتقديم كامل الرعاية بالجودة العالمية كما تفعل في برامج تعليم ورعاية الآخرين، فعدم منحهم الرعاية اللازمة لا يحرمهم فقط من فرص الحياة اللائقة بهم؛ وإنما قد يحرم المجتمع أيضاً من مساهمتهم التي هدرت بسبب عدم وجود نظام الرعاية الصحية والتعليم الذي يساعدهم على اظهار مواهبهم وقدراتهم المتوارية خلف إعاقتهم.

المقارنة مع المعاقين المتميزين عالمياً ستكون موجعة، فهم يرون في الوصول للرعاية الصحية أكبر العوامل الذي ساعدهم على تجاوز إعاقتهم، وكذلك توفّر الخدمات المعيشية الخاصة. وهذا ما قاله عالم الفيزياء، ستيفن هوكينغ، واعتبر أن هذه الظروف أوصلته للنجاح في الفيزياء؛ لكنه يشعر بالأسى من كل من يصعب عليهم الحصول لمثل تلك الرعاية، منبهاً الحكومات، في كلمة خص بها مقدمة أحد تقارير منظمة الصحة العالمية، بأن استمرار تجاهل الملايين من ذوي الاعاقة وحرمانهم من خدمات الصحة والتعليم والتأهيل اللائقة، فإنهم بذلك يحرمونهم من فرصتهم للإنتاج والتألق.

يستخدم البعض في الدول الأجنبية وصف الأقل حظاً (less fortunate) عند الإشارة إلى الأشخاص من ذوي الإعاقة؛ لكن في المجتمعات التي تتجاهل حقوق المعاق تصبح قلة الحظ ليس لأن الإنسان ولد معاقاً، وإنما لأنه ولد في هذه المجتمعات.

في عرض لبرنامج تيد توك الشهير، كانت الفلسطينية ميسون زايد التي تسبب خطأ طبي، عند ولادتها في ولاية نيوجيرسي الأميركية، في اصابتها بشلل دماغي جزئي تتحدث كإنسانة طبيعية بل وناجحة ومشهورة. لم تتحدث عن اعاقتها كلعنة أصيبت بها وإنما قالت لجمهورها :»إنني لست هنا لأثير الشفقة، لأنني أعرف أن الكثير منكم تمنى يوماً أن يكون معاقاً بسبب المزايا التي تتوافر للمعاقين وذوي الاحتياجات الخاصة». ساعدت الرعاية التي حصلت عليها ميسون في التعامل مع وضعها؛ بل القفز عليه لتصل إلى التنافس مع الأصحاء جسدياً والتفوق. عندما سألها مذيع «البي بي سي» عن ثلاثة أشياء تتمنى التخلص منها، لم تكن الإعاقة واحدة من هذه الأشياء الثلاثة، وقالت: على غير توقع من يرى في الإعاقة الهم الأكبر: «الفواتير والبامية والأخبار غير المهمة التي يتداولها الناس والإعلام».

صحيفة الوسط البحرينية – نشر بتاريخ 25-01-2017 – العدد: 5254

http://www.alwasatnews.com/news/1203807.html

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s