في الدعوة للحياة بالموت

كان الطقس معتدلاً لطيفاً ومائلاً إلى البرودة، في مساء أحد أيام الأسبوع الماضي، ومحرضاً لابنتي لفتح الشبابيك بعد طول إغلاق تجنباً للحرارة والرطوبة الشديدتين خلال شهور الصيف. لم تدخل النسائم العليلة الغرفة التي أنعشتها التهوية التي طرأت عليها فحسب، وإنما، أيضاً، صوت الأذان الذي انساب شجياً مريحاً للنفس.

ما أن انتهت الصلاة حتى انطلق الإمام فجأة بدعاء كال فيه من اللعن والسب لقادة عرب ولملل وطوائف ومن الشتائم ما نقضي عمرنا نعلم أبناءنا منذ أن يفطنوا معنى الكلمات أن ينأوا بألسنتهم وأنفسهم عنها، الأمر الذي خرق السكون والسلام اللذين كان الأذان قد خلقهما قبل لحظات من ذلك عندما انطلق مع غروب شمس ذلك المساء، وأحل محلهما هالة من الانزعاج والتوتر. أغلقت ابنتي الشباك وجاءت متسائلة بغضب: «أين نشتكي إذا ما أزعجنا الكلام الذي يملأ الفضاء ويصل إلى آذاننا من دون استئذان!».

منذ فترة ليست بالقصيرة أصبحت الخطب في منابر المساجد منفّرة على غير ما وجدت أصلاً من أجله. وأصبح الخطباء يخلطون بين وظيفتهم لبث ما اتُفِق عليه من قيم ومبادئ ومعتقدات دينية ودنيوية تذكّر الناسين والمنشغلين عنها، وترتقي بجمع المصلين وراءهم، وبين رغبتهم الذاتية أو رغبة من ينتمون لهم من جماعات سياسية في توصيل الرسائل والترويج لمعتقداتهم وانتماءاتهم وآرائهم. وفي كثير من الخطب أصبحت اللغة التي يتحدثون بها حادة، قاسية وخارجة بدرجات كثيرة عن مقاييس لغة الخطب الدينية المحبِبَة لما تأتي به وتدعو إليه.

قبل هذه الحادثة بسنوات امتنع عدد من الشباب عن حضور صلاة الجمعة في الجامع القريب من منزلهم للسبب نفسه، الصراخ والدعاء المنفِّر الذي كان يحث على الكراهية ويدعو الله بأدعية مخيفة على «أعدائنا». واختلطت المعاني في كلمة أعدائنا فبعد أن كنّا نعرف عدواً واحداً ثابتاً هو «إسرائيل» أصبح عدونا دولاً كثيرة وأحزاباً وطوائف وأصبح عدوُّنا متغيراً بتغير أمزجة الخطباء الذين بدورهم يخضعون لعوامل متغيرة من الانتماء والولاء، كما صحونا ذات خطب على تنبيه لنا من أعداء لنا بين جيراننا وأقربائنا وأصدقائنا وزملاء لنا في العمل وعلينا محاربتهم أشد الحرب، ذلك على رغم ما ثبت في ذاكرتنا من دروس الدين من قول الرسول (ص) إن «كل المسلم على المسلم حرام، ماله وعرضه ودمه، حسب امرئ من الشر أن يحقّر أخاه المسلم».

أصبح اللعن والسب والشتم والقذف أمراً اعتيادياً بين خطباء الطوائف يرمون به بعضهم بعضاً، فوق رؤوس آلاف المصلين والمستمعين الذين جاءوا إلى دور العبادة، ترقّباً للحظات تأمل وصلاة وصفاء تنعش لهم إنسانيتهم، التي يكون قد نال منها اللهاث الدنيوي المشروع وراء العيش وكسب الرزق.

وصلني قبل فترة فيلم قصير لرجلين، تدل لهجة المتحدث بينهما لانتمائه لإحدى دول المغرب العربي، كدت أمسحه بعد ثوانٍ من تشغيله لأني لم أعرف من هو المتحدث، لكن استوقفتني دعوته للابتعاد عما أسماه بـ «أدعية الرعب» التي تصاغ من ألفاظ مخيفة كنت قد سمعتها للتو من بينها «اللهم أنزل السيف على رقابهم» و «اللهم مكّن الحبل من أنفاسهم» و «رمّل نساءهم» ويختم الخطيب بما يفتت الأفئدة «وأَبِدهم عن آخرهم يا رحمن»، ولا أدري كيف تجتمع الإبادة والرحمة!

وعودة للمتحدث المغربي الذي استمعت لخطبته المقترحة التي حرص فيها أن تمسّ جوانب تجعل الإنسان إنساناً معمراً وليس مدمراً لنفسه وللعالم من حوله. فقد ذهب فيما قاله بوجه مبتسم، إلى الدعوة بـ: «اللهم نمِّ فينا مَلَكة النقد، وحبِّب إلينا الحوار وأبعدنا عن الصدام وعلِّمنا فن الإصغاء والصبر على مخالفينا في الأفكار، وجنبنا يا رب تكفير الآخرين ورميهم بالزندقة. اللهم امنحنا ضبط النفس عند الانفعال والغضب والحزن. اللهم علمنا الثقة بأنفسنا والرحمة واحترام المرأة، والشغف بالعلم وعشق الكتاب، اللهم أبعد عنا التقليد، وازرع فينا روح الابتكار وحببنا في العلم، اللهم علمنا النظافة والجمال ودقة المواعيد والذوق الرفيع، وعلمنا الأناقة في كل عمل نقوم به، وحسن الأداء والأمانة والألفاظ الكريمة والتعامل الحسن مع كل خلق الله…».

وعلى رغم أن ما دعا إليه المتحدث في الفيلم، يجب أن يكون نابعاً من عزم وإيمان الإنسان، وما سؤاله إلا ليعينه الله على ما عزم عليه، لكن لنا أن نتصور أن تتمحور خطبنا الدينية الجماهيرية على مثل هذه الدعوات لهذه القيم الإنسانية الرفيعة، التي ترتقي بأفعالنا وسلوكنا وأهدافنا في الحياة، وتجعل لوجودنا دوراً ومعنىً في ترقيتنا لأنفسنا وتعمير العالم من حولنا.

مثل هذه الدعوات بالتأكيد لن تخرّج من مساجدنا قلوباً ممتلئة بالحقد على أي كان مهما كان الاختلاف معه، ولن يهيم أصحابها بحثاً عن سيوف يقطعون بها رؤوس «أعدائهم» كي يُسكتوا ما أشعلته فيهم هذه الخطب من غضب وغيرة.

وبعيداً عن الدعاء «الراديكالي» الذي جاء به متحدث الفيلم، فإن الوقت قد حان لدور العبادة ومنابرها وقد رأت ورأينا أين أخذتنا خطب شحن الكراهية وإباحة القضاء على الآخر المختلف، لتذكّر الآية الكريمة «ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ» (النحل: 125). وكذلك قول الرسول (ص) عندما قيل له: «ادعِ على المشركين» فردّ: «إني لم أُبعث لعّاناً وإنما بعثت رحمة».

صحيفة الوسط البحرينية – نشر بتاريخ 28-12-2016 – العدد: 5226

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s