ثقافة الاستقصاء

قبل سنوات قمت بطلب عاملة منزل من أحد مكاتب الأيدي العاملة، فجاءتني عاملة اسمها «لودي» تحمل درجة البكالوريوس، وشعرت أني محظوظةٌ لأنني سأتعامل مع عاملة متعلمة وتبدو متحضرة خصوصاً أن طفليّ حينئذ كانا في المرحلة الابتدائية، ولن يجدا صعوبةً في التفاهم معها. لكن العاملة بكت في طريقنا من المكتب إلى المنزل، وقالت: إنها جاءت لتعمل في شركة وليس «خادمة» في منزل. فوعدتها أن أتحدّث مع صاحب المكتب ليصحّح وضعها. لكن صاحب المكتب الذي بدا وقد حذّرها من أن تفتح هذا الموضوع معي، قال لي بلهجة مطمئنة: «هاتيها المكتب، فهي بحاجةٍ لصفعتين كي تفهم ألا تفتح فمها مرة أخرى في هذا الشأن»، وعندما رفضت إجبارها على البقاء معي، قال إنه سيحوّلها على بيت آخر!

نقلت إلى العاملة ما قاله صاحب المكتب، وخيّرتها بين العودة للمكتب لإقناعه بتوظيفها في مكانها الصحيح، أو البقاء للعمل في بيتي لحين انتهاء فترة عقدها. ففضّلت مستسلمةً أن تبقى معي قائلة: إنها جاءت من أجل المال، وستعمل لمدة عامين ثم تغادر إلى بلدها.

كانت عاملة منزل ممتازة، تؤدي عملها بهدوء ونظافة، ونسجت علاقة مع أبنائي، وكانت تقضى وقتها بعد الانتهاء من العمل في القراءة، وكنت سأسعد كثيراً لو وافقت على البقاء فترةً أطول من العامين المحددين في عقد عملها. غادرت «لودي» ولكن ظلت قصتها في ذاكرتي، يرافقها شعور بأن هناك ظلماً قد وقع، ولم تكن أبعاد الصورة واضحةً لي ولا الكيفية التي يمكن دفعه.

بعدها بسنوات، وتحديداً في العام 2010 حضرت دورة تدريبية عن الصحافة الاستقصائية، أقامتها شبكة «أريج» في البحرين، وهي اختصار لـ»إعلاميون عرب من أجل صحافة استقصائية»، تعرّفت خلالها على تقنيات الاستقصاء في إعداد التحقيق بعناصر متكاملة، للكشف عن ضرر يقع في مكان ما في المجتمع، ويعرّف المتضرر والمتسبب بالضرر ويكشف مواقع الخلل التي أدت إلى هذا الضرر، كما يحاول أن يقترح حلولاً.

قفزت لودي إلى السطح، لأقرّر أن أعد تحقيقاً استقصائياً عن أسباب حرمان لودي من حقها في الحصول على الوظيفة المتفق عليها، وأسباب قوة صاحب مكتب العمالة، وبالبحث عن قصص عاملات المنازل، تعرّفت على جمعية «حماية العمال الوافدين» التي أصبحت فيما بعد عضواً فيها حتى اليوم، لتنكشف لي عشرات من قصص الانتهاك التي ترد للجمعية، عدا القصص الكثيرة غير المعروفة التي يسكت عنها أصحابها، ويُحرم البعض من الوصول لمن ينصفها، ولأعرف فيما بعد أن قصة لودي لم تكن سوى رأس جبل الجليد كما قال قائد فريق «تحت دائرة الضوء»، الصحافي في صحيفة «بوسطن غلوب»، والتر روبنسون الذي كشف مع فريقه في تحقيق استقصائي قصص التحرّش والاغتصاب التي يتعرّض لها أطفال على يد كهنة الكنيسة الكاثوليكية في أبرشية بوسطن، وذلك في كلمةٍ ألقاها خلال مؤتمر أريج التاسع الذي أقيم مطلع هذا الشهر في الأردن.

والبحث الاستقصائي في الموضوع الذي يتناوله الصحافي، قد يكشف عن تفاصيل كثيرة غير متوقعة، وربما حجماً أكبر للقضية التي بين يديه. يقول الصحافي روبنسون في لقاء صحافي معه عن التحقيق الاستقصائي الذي نشر في 2002، وتحوّل فيما بعد إلى فيلم سينمائي فاز بجائزة الأوسكار هذا العام، أنه بعد عرض الفيلم تلقت صحيفته اتصالات من 300 شخص تعرّضوا لتحرش رجال الدين عندما كانوا أطفالاً، وكانوا ساكتين عمّا تعرّضوا له لأسباب مختلفة، ودفعهم الفيلم للتصريح عمّا حصل لهم في الطفولة، ما أكد أن التحقيق قاد للكشف عن ظاهرة أكثر منها حالة واحدة لكاهن شاذ. وهذه الفرضية هي ما وراء الإصرار على المضي في التحقيق على رغم المعوقات المجتمعية التي تعرّض لها فريق عمله.

والتحقيقات الاستقصائية مع أهميتها في تعرية مواطن الفساد والخلل في المجتمع، إلا أنها تواجه بصعوبات ومقاومة ليس فقط من الجهات المتضررة من كشف مخالفاتها وانتهاكاتها؛ بل أحياناً من المجتمع نفسه خوفاً من الفضائح أو من انهيار الثوابت كما حدث مع تحقيق انتهاكات الكهنة، والخوف من فقدان الثقة في الكنيسة وفي رجال الدين.

بعض الصحافيين يتعرضون لتهديدات خصوصاً إذا تناولت تحقيقاتهم شخصيات معروفة اجتماعياً أو ذات نفوذ، كما قد يتلقون عروضاً لشراء سكوتهم، والبعض قد يخسر عمله كما حصل مع أحد الزملاء الذي استقصى حالات من المتورّطين في وثائق بنما في إحدى البلدان العربية، وآخر كشف انتهاكات أجهزة الأمن في دولة عربية في تحقيق مرئي عرضته قناة الـ»بي بي سي». فيما يتخلّى البعض مضطراً عن فخره بإنجازه، بنشر تحقيقه باسم مستعار للحفاظ على سلامته.

في منطقتنا العربية، اعتبرت مديرة شبكة «أريج»، الصحافية المخضرمة، رنا الصباغ «أن الاستقصائيين العرب يواجَهون بمجتمع غير مؤازر، إذ لا تقتصر بواعث قلقهم على الحكومات، فمن يجازف بحياته وحريته يصطدم عادةً بضعف صادم في التأييد الشعبي. ويجدون أن المواطن العربي قد تخلّى عن الحريات الأساسية وحقوقه الديمقراطية مقابل لا شيء سوى وعود غامضة بالاستقرار والازدهار السياسي، ولم يعد من المستغرب إذن تراجع حرية الإعلام واستقلاله على سلم أولويات المواطنين».

إن استقصاء الحقائق إعلامياً مهمته أكبر من مجرد فضح الفاسدين على الملأ، فالأهم، إلى جانب معاقبة المخطئين، هو إصلاح الأوضاع ورفع الضرر المباشر وغير المباشر عن المتضررين وحمايتهم، أما الهدف الأكبر فهو خلق مجتمع واع بحقوقه ومسئولياته في جميع المواقع، ومعرّف فيه الصواب والخطأ مما يصعّب على من تسوّل له نفسه الفساد أو الاستغلال القيام بذلك. ولهذا أصبح من الضروري أن تهتم الجامعات بتضمين مناهج الإعلام فيها مساقات خاصة بالصحافة الاستقصائية، وبإمكانها في ذلك الاستفادة من تجربة «أريج» في تعاونها مع عددٍ من الجامعات العربية لتدريس صحافة الاستقصاء في كليات الإعلام. كما على الصحف أن تفسح المجال لصحافييها للعمل الاستقصائي بمنحهم الوقت والموارد المناسبة التي تساعدهم في إنجاز تحقيقاتهم الاستقصائية.

صحيفة الوسط البحرينية – نشر بتاريخ 14-12-2016 – العدد: 5212

http://www.alwasatnews.com/news/1190384.html

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s