أساور الحجر… خيارات الحياة

فيما كنت أجرِّب أسورة مزيّنة بحجر الجمشت (الأماثيست) البنفسجي، قال لي البائع: «إن هذا الحجر يجذب إلى لابسه الصحة والقوة الجسدية»، فقلت له وأنا المغرمة بهذا الحجر بكل تدرجاته: «وأيضاً السكينة، ومن يضعه في محيط نومه لا يحلم إلا الأحلام السعيدة، كما يجلب الطاقة الإيجابية، ويقوي سلامة العقل، ولذلك اعتقد قدماء الملوك أنَّ شرب الخمرة في الكؤوس المصنوعة من الجمشت لا تذهب بعقولهم بالسكر، كما أحبه الملوك في عروشهم؛ لأنه يحفز على الشجاعة.

جرّ استرسالي الساخر في الحديث عن الحجر الساحر، بعرض ما في جعبتي من صفاته، كما استعرضها المهتمون بدلالات الأحجار، وما نُقل عن الأساطير، انتبه البائع الذي كان يجلس في ركن صغير في سوق الفنون والحرف اليدوية في مدينة هواهين التايلندية، فانطلق يروّج بطريقة فلسفية محببَّة للأحجار الأخرى على طاولته، فحجر القمر يجلب النجاح في العمل، وحجر الكوارتز الوردي هو حجر القلب يجلب الحب إلى لابسه، وحجر الزبرجد هو الأمثل للباحثين عن المال.

وفيما واصل البائع عرض بضاعته من الأحجار ومزايا كل منها، ودلالاتها بأسلوب مشوّق لا يقبل الشك في معتقداته بشأن قواها الخفيَّة، وقفت محتارة أمام خيارات الأحجار، وكأنني فعلاً على وشك أن أتَّخذ قرار أولوياتي في الأيام المقبلة من خلال أسورة الحجر التي سأشتريها بعد قليل.

لم تكن الأحجار هي ما جعلتني أحتار، وإنما خيارات التمنيات لو كانت فعلاً متاحة. الحبُّ، أم المال، أم الصحة أم النجاح في العمل. أيها يجلب السعادة التي هي الهدف الأساس الذي يسعى كل إنسان إلى تحقيقه وكل بأدواته المتاحة والخاصة.

سألت البائع عن ملاحظاته عن أكثر الأحجار رواجاً، أو أكثر سبل السعادة رواجاً بين من يلتقيهم من زبائنه، فقال: «إن المراهقين يبحثون عن الحب دائماً، ومن هم في مقتبل العمل يغريهم المال والنجاح في العمل بينما يفضل الناضجون أحجار الصحة، وما يجلب الطاقة الإيجابية والسكينة. لكنه عاد وأكّد أنَّ أحجار الحب تتقاطع الرغبة في اقتنائها بين مختلف الأعمار.

وعلى رغم أن السعادة هي الهدف الأساس، الذي يسعى كل إنسان إلى تحقيقه، وكل بأدواته الخاصة والمتاحة، فإن كثيرين يأخذهم الحماس في البحث عن أدوات السعادة، فيتعلقون بهذه الأدوات وينسون الهدف من امتلاكها. فكثيرون، مثلا، ينشغلون بجمع المال وينسون أنه مجرد وسيلة لتحقيق هدف أهم وهو السعادة.

وخلص الباحث الاجتماعي النفسي الفائز بجائزة نوبل،دانيال كاهنمان في دراسة أعدها واستفاد منها باحثون استفادة كبيرة فيما بعد للبناء على نتائجها، إلى أنه على رغم أن المال من أهم الوسائل لتحقيق السعادة لما لذلك من أثر على حياة صاحبه، سواء للإنفاق الشخصي أم لمساعدة الآخرين، إلا أنه يحقق السعادة حتى مستوى معين فقط، وهو المستوى الذي يلبي احتياجاته الأساسية كافة، ويوفر له اطمئناناً وأماناً في العيش، ثم يتوقف عن إسعاد الشخص، فلا يعود للمزيد منه أهميَّة في رفع درجة السعادة، كما أنه لا يخفف من حدة الضغوط التي قد يعاني منها أصحاب هذا المال.

ومثله ذكرت منظمة «جالوب» التي سألت 156 دولة عن جودة الحياة فيها، فجاءت الإجابات التي حصلت عليها الدراسة، مؤكدة أن الدول الغنية نسبيّاً مثل الدول الإسكندنافية أكثر سعادة لارتفاع الدخل وتوافر الأمان الوظيفي والتأمين الصحي، بينما كانت الدول الأفقر وخصوصاً في إفريقيا أقل سعادة بسبب الفقر والجوع وانتشار الجريمة.

ومثل ذلك، الصحة التي يحتاج إليها الإنسان لأي عمل يقوم به حتى يتمكن من الإحساس بالسعادة.

وميّز باحث جامعة جورج ميسون، إيريك أنغر بين المرض الذي يؤثر على الوظائف الحيوية اليومية كالالتهابات التي يؤثر الألم المصاحب لها على سعادة الإنسان وبين الأمراض المزمنة التي يتعايش معها الإنسان فيقل تأثيرها السلبي على السعادة؛ لكن الصحة وحدها لا تجلب السعادة، بل المبالغة في اعتبار الصحة هاجساً قد يجعل الإنسان مقيداً ومحروماً من بعض مسببات السعادة.

وفي البحث العلمي الدائم عن مسببات السعادة، كان الحب دائما عنصراً حاضراً. ففي دراسة طويلة المدى أعدتها جامعة هارفرد على مدى سبعة عقود ونصف انتهت في 1966، على فريقين أحدهما من طلبة الجامعة أصحاء العقل والجسم والفريق الآخر أقل حظّاً من الأحياء السكنية الفقيرة، وتمَّ التركيز في هذه الدراسة التي قادها في مرحلتها الأخيرة البروفيسور جورج فيلانت على ثلاثة عناصر في الفئتين وهي العلاقات، والعمل، والأبوة/ الأمومة، وذكرت نتائجها في كتاب باسم «انتصارات التجربة»، قال البروفيسور فيلانت: «إن الدراسة التي استغرقت 75 عاماً وأنفق عليها 20 مليون دولار خلصت إلى أن السعادة هي الحب، بالإنجليزية في خمس كلمات وضعت الخلاصة Happiness is love. Full Stop».

ولم تعنِ الدراسة الحب في صورته الرومانسية بين الرجل والمرأة فقط؛ وإنما أشكال الحب المتمثلة في العلاقات الحميمة مع الأبناء، والإخوة، والأصدقاء والزملاء. لكن الدراسة حذرت من الحب غير العقلاني وهو الحب غير المتبادل أو حب امتلاك الآخر أو الحب بهاجس الفقد الذي من الممكن أن يكون يشقي الإنسان بدلاً من أن يسعده.

وفي حين تبقى دلالات الأحجار صحيحة بدرجات متفاوتة في أمزجة المهتمين والشغوفين بالبحث عما يوجّه أقدارهم كما يتمنون، يأتي العلم ليؤكد ملاحظة بائع الحجر فيتقدم الحب عناصر السعادة كلها.

أنقذني من حيرتي غير الجادَّة في اختيار أسورة الحجر، التي لاحظها البائع، أنْ مدَّ يده بأسورة تضم أنواعاً متعددة من الأحجار قائلاً بفلسفة تأمليّة يتميّز بها الشرقيون: «أفضل الحظ هو السعادة؛ لأنها لا تتحقق إلا بشيء من الصحة، وشيء من النجاح، وشيء من المال، والكثير من الحب».

صحيفة الوسط البحرينية – نشر بتاريخ 30-11-2016 – العدد: 5198

http://www.alwasatnews.com/news/1185549.html

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s