وهم التميز

في مدينةجوانزو الصينية كان المجمّع الضخم ذات الطوابق الثلاثة مزدحماً بعشاق الماركات العالمية ممن أغرتهم الأسعار المنخفضة، أو ربما هم غير قادرين مادياً على شراء السلع الأصلية.

لا شيء في المجمّع الضخم أصليّ، السلع التي فيه جميعها مقلدة عن ماركات عالمية مرتفعة الثمن، حتى سلوك من فيه، فالجميع يقومون بحركات تمثيلية تدل على ضرورة القيام بعملية البيع والشراء بسرية، لكون السلع المقلدة مخالفة لقانون حماية الملكية الفكرية. ابتداءً من أصحاب المحلات الذين يجلس الواحد منهم خلف نضد تُعرض عليها سلع ليست بالضرورة تنتمي لماركات معينة، وما أن يسأله الزبون عن البضائع المقلدة حتى يأخذه من خلال دهاليز خفية، إلى شقق في أماكن خارجية تنفتح أبوابها على معارض متكاملة للسلع الجلدية والساعات والمجوهرات المقلدة التي تباع بأسعار منخفضة تصل حتى 20 في المئة من قيمة السلع الأصلية.

المتسوقون أيضاً يسايرون أصحاب المحلات في إخفاء نواياهم للشراء، ومثلهم مفتشو الشرطة الذين إن شاءوا، فبإمكانهم محاصرة عمليات بيع وشراء هذه السلع، فالمتسوقون يجرون معهم أكياساً كبيرة سوداء يحملون داخلها السلع التي يتم شراؤها، استكمالاً لتمثيلية السريّة، ولكنهم يكتفون بخلق جو من الحذر الوهمي، فيما يبدو أن اتفاقات تحت الطاولة تتم بينهم وبين أصحاب المحلات ليتغاضوا عن المخالفات التي هم بصدد ضبطها.

وبعيداً عن المخالفة القانونية لإنتاج وتداول السلع المقلدة، فإن اقتناء هذه السلع ليس بالضرورة يدل على خلل سلوكي أو نفسي، وخصوصاً أن هذا الاقتناء يكون للاستخدام الشخصي، لكن هوس التميّز أصبح يطال أشخاصاً ومؤسسات في عالم الأعمال أيضاً.

فإن كانت الدول الآسيوية الشرقية قد سيطرت على سوق السلع الاستهلاكية المقلدة في العالم، التي وصل حجمها في 2013 إلى نصف تريليون دولار سنوياً تعادل 2.5 في المئة

من الواردات العالمية، وفق تقرير حديث عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، فهناك وكالات وشركات غربية أصبحت تروج

لـ «الإحساس بالفوز والتفوق والتميز» وذلك بتصميم جوائز وألقاب غير حقيقية تقوم على كلمات «الأفضل» و «الأكثر تميزاً» ولإقناع زبائنها المرتقبين من مؤسسات وأفراد، تقوم هذه الوكالات بذكر أسماء مؤسسات أو شخصيات ذات شأن في مجالها، وتربط نفسها بها بشكل أو بآخر أو أنها تصمم لنفسها أسماء موحية بالعالمية.

هذه الوكالات وجدت لها سوقاً في أوساط الشركات والمؤسسات التي تبحث عن دمغة التميّز، من أجل إقناع زبائنها أو المؤسسات التي تتعامل معها بتفوقها في مجالها، وهي بذلك تصنع لنفسها هالة غير حقيقية من التميز، فهي لا تخضع لأية معايرة باشتراطات قابلة للقياس في مجالات التفوق، التي تربط نفسها بها، كما أنها لا تتنافس مع أحد، ولا تتفوق على أحد، كي تستحق أن تكون الأكثر أو الأعلى أو الأفضل.

والأكثر من ذلك فإن بعض هذه الوكالات تبعث استمارات خالية، ليعبئها الزبون المرتقب بالمجال الذي يود التميّز فيه. وبعد أن يقع الزبون في فخ التميَز الوهمي، لا يمانع في دفع مبالغ طائلة لهذه الوكالات، نظير الحصول على هذه الألقاب، وما يأتي معه من إعلانات في مطبوعات لم يسمع بها أحد.

على صعيد الأفراد أيضاً، أصبح مألوفاً شكل تاجر الشنطة الذي يمر على مكاتب المسئولين في الشركات والمصارف والمؤسسات المختلفة، ولا يستغرقه وقت طويل لإقناع الكثيرين منهم بدفع مبالغ مالية في مقابل إدراج أسمائهم في موسوعة من الأسماء، ضمن موسوعات متعددة لأشخاص من مختلف الدول والقطاعات بصفات وألقاب جميعها تدل على معنى أن من يوجد اسمه فيها فهو «شخص مهم».

بين السلع المقلدة في شرق آسيا، وبين الجوائز وألقاب التفوق الوهمية يوجد قاطع مشترك، وهو زبون يبحث عن التميّز وإن كان وهمياً.

البعض يرى ارتباطاً وثيقاً بين مظاهر الثراء وبين القيمة الإنسانية وربما الاجتماعية للشخص، وكثيرون يفتقدون الرضا الداخلي عن النفس، وعلى هؤلاء البعض، يبني خبراء صناعة وتسويق السلع المقلدة استراتيجيتهم، فالتسويق إما أن يلبّي حاجات موجودة أصلاً، أو أنه يقوم بخلق حاجة لم يعرِّفها المشتري المرتقب بعد في نفسه. فما أن يعرفها حتى يبحث عما يشبعها، وربما يطور حاجات لاحقة لها، ويكون الباب قد فتح لخيارات متنوعة، يتم تصميمها تبعاً لتطور تلك الحاجات.

صحيفة الوسط البحرينية – نشر بتاريخ 09-11-2016 – العدد: 5177

http://www.alwasatnews.com/news/1178224.html

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s