قانون جميل المحيّا ولكن…

عندما أخرج من بيتي كل صباح، أمرّ بثلاثة عمال «فري فيزا» يوقفون دراجاتهم الهوائية في مواقع متفرقة بين بيوت الحي الذي أسكن فيه، ويحمل كل منهم سطلاً وقماشاً وقطعة جلدية للتلميع، وفرشاة لكنس السيارة من الداخل. هؤلاء يتعاقدون شفهيّاً مع بعض الجيران لغسل سياراتهم بشكل شهري أو أسبوعي.

وعلى بُعد أقل من كيلومتر، أشاهد عشرات الأشخاص، أيضاً من جنسيات آسيوية مختلفة، يتكدسون في زاوية محددة من مدخل سوق واقف بمدينة حمد، وأعينهم على السيارات المارة لعل أحدهم يتوقف ليسأل إن كان بين الواقفين سمكري أو صباغ أو بناء أو حتى حمال لنقل الأثاث من غرفة إلى أخرى في بيت قريب.

في منتصف النهار تتصل بي عاملة المنزل لديّ لتخبرني أن بائعاً آسيويّاً متجولاً قد طرق الباب ليبيع السمك والروبيان (حتى في مواسم منع صيده)، وآخر يسأل إن كنا بحاجة إلى من يعتني بالزراعة أو يغسل السيارات.

وفي طريق العودة من العمل كل مساء بات منظر الآسيويين الذين يفتشون في مكبات القمامة اعتياديّاً، بعضهم يدفع عربة تشبه القفص يجمع فيها مخلفات الورق بينما البعض يفرز القمامة باحثاً عن أي شيء يعاد تدويره أو استخدامه ربما. ذلك عدا العشرات المنتشرين أمام المحلات التجارية الذين أصبحوا ينتظرون الزبائن، ويتظاهرون بتجهيز مواقف لسياراتهم ومن ثم يبدأ التسول للعلاج أو لغسل السيارات أو ببساطة للمساعدة في البحث عن عمل.

ومثل هؤلاء العمال تشكلت فئة من العاملات الجائلات اللاتي يقدمن خدمة الأعمال المنزلية لأكثر من بيت في اليوم الواحد. بعضهن لا يمانعن ممارسة الدعارة على الهامش لكسب «الوقت والمال» كي يوفين بديَن التأشيرة وديون أخرى تستعبدهن في مواطنهن. كل هؤلاء ينتمون إلى فئة عمال «الفري فيزا» الذين إما أن يكونوا قد جُلبوا من قبل أشخاص يتاجرون بتأشيرات الدخول (الإقامات)، أو أنهم هاربون من كفلائهم ويعملون سرّاً.

هذا الروتين اليومي الذي أشاهده كل يوم، يتكرر في كل أحياء البحرين، ولا بد أنه أصبح اعتياديّاً أيضاً.

هؤلاء قد لا يطولهم قانون العمل المرن، الذي تحاول الجهات المسئولة عن قطاع العمل جاهدة لتنظيمه ولـ»أنسنة» ممارسات أصحاب العمل والمجتمع ككل تجاه الجانب الأضعف من طرفي العمل.

فالقانون الجديد الذي سيدخل حيّز التنفيذ في (إبريل/نيسان) المقبل، سيطبق على العمال الأجانب المنتهية عقودهم ولم تُجدّد، وأيضاً ذوي العقود الملغاة. وحيث إن العمالة الأجنبية لا تدخل البلاد إلا عن طريق كفيل، وعلى الكفيل أن يتحمل كلفة الاستقدام وإصدار التراخيص، ومن ثم تحمل كلفة التجديد أو إلغاء الإقامة وإعادة العامل إلى وطنه؛ فإن وجود عمالة تقدر بـ 42 ألف شخص تحت هاتين الفئتين، فهذا يعني أن جميع من يقع هؤلاء العمال تحت كفالتهم، هم مخالفون، وذلك لتقاعسهم في تجديد وثائق عمالتهم، أو أنهم ألغوا عقودهم وتركوهم دون عمل ليكسبوا معيشتهم بأي شكل كان، وهذا بحدِّ ذاته مخالفة عمالية وإنسانية؛ لأنها تعرض هؤلاء للحاجة، وقد يدفعهم ذلك إلى مزاولة أعمال قد تكون غير لائقة، وفي كل الأحوال تجعلهم ينضمّون إلى آلاف من عمال وعاملات «الفري فيزا» الذين يزدحم بهم سوق العمل.

من ميزات النظام الجديد، كما تحدث عنها رسم توضيحي، تجنب المخالفات ومكافحة الاستغلال، بالإضافة إلى أربع ميزات لأصحاب العمل الذين سيستفيدون من هذه العمالة في وضعها القانوني الجديد، وهي خفض التكلفة، والمرونة لأصحاب الأعمال، وسهولة الحصول على عمالة نظامية، وميزة أخرى مشابهة وهي توفير البديل القانوني للعمالة السائبة.

ولم يُشر، في تفاصيل النظام المنشور، إلى الكفلاء المخالفين الذين جلبوا في، الأصل، هؤلاء العمال ودفعوهم إلى وضع مخالف قانونيّاً، ما يجعل القانون يبدو، مع انسانيته، حامياً للكفلاء المخالفين، ومنقذاً لهم من المخالفة التي ارتكبوها في حق عمالهم، فهل»عفا القانون عمّا سلف»؟! وإن كان القانون سيشمل فقط غير المجددة عقودهم من العمالة أو الملغاة لما قبل (20 سبتمبر/ أيلول 2016)، فهل سيتواصل تجديدهم، ويصبح هذا التاريخ فارقاً في حياة هؤلاء وأيضا كفلائهم الذين حالفهم الحظ لتتحمل الدولة كفالة عمّالهم الذين تخلوا عن مسئوليتهم تجاههم؟!

في منتصف الألفية الأولى من القرن الحالي، وتحديداً في (24 فبراير/ شباط 2005)، كان سوق العمل أحد ثلاثة أضلاع أساسية يرتكز عليها المشروع الشامل للإصلاح، كما طُرح في ورشة أقيمت حينئذ برعاية وحضور سمو ولي العهد، للاستئناس بآراء القطاعات المعنية والمؤثرة. الضلعان الآخران هما: الإصلاح الاقتصادي، والتعليم والتدريب.

ولسوق العمل كما تناولته دراسة أجرتها شركة «ماكينزي»، وعُدّلت فيما بعد لتتناسب مع السوق، والتي كانت حينها موضوعاً للمناقشة، كان هدف إصلاح سوق العمل هو خلق جاذبية متبادلة بين أصحاب العمل وبين طالبي العمل من المواطنين، ففُرضت رسوم ترفع قيمة الأجنبي وأنشئ صندوق العمل (تمكين) ليقوم باستثمار هذه الأموال المتجمعة من الرسوم، في الإنسان المواطن لرفع كفاءته، وجعله خياراً تنافسيّاً في سوق العمل.

والآن بعد مرور أكثر من عقد، يُطرح نظام في سوق العمل، من أهدافه خفض التكلفة، أي تكلفة العامل الأجنبي. وقوننة العمالة السائبة «الرخيصة»، وتسهيل الحصول عليها، وجميعها لا تجعل البحريني خياراً جذاباً، كما لا ترفع مستوى الأعمال، كما أريد لها في انتعاشة العقد الماضي.

وربما تكون أحد أهم ميزات هذا النظام، التي لم تذكر في الإعلان عنه، وإن كانت برّاقة في سجل القائمين على التشريعات العمالية على المستوى الحقوقي العمالي الدولي، وهي أن النظام هو شكل من أشكال إلغاء نظام الكفالة الذي تذهب الجهات الحقوقية إلى اعتباره نوعاً من أنواع العبودية، وإلغاؤه يدل على تحضر الدول في مجال حقوق العمال والإنسان.

جميعنا نعرف أن العبء كبير على الجهات المسئولة عن القطاع العمالي والضغوط كبيرة على المستويين المحلي والخارجي، لكن تظل زيادة المعروض من الأيدي العاملة الأجنبية الرخيصة عاملاً سلبيّاً يفاقم بطالة المواطنين، فهو قد يخفض أسعار السلع والخدمات، لكنه لن يخلق أعمالاً إضافية جديدة في السوق، وإنما سيحقق مزيداً من الانخفاض في الأجور وفي جودة الأيدي العاملة المتوافرة. والأكثر من ذلك، فهو، مع إنسانيته العالية، إلا أنه يبدو كمن يسعى إلى حل مشكلة البطالة في بلدان هذه العمال الأصلية وليس في البحرين.

صحيفة الوسط البحرينية – نشر بتاريخ 02-11-2016 – العدد: 5170

http://www.alwasatnews.com/news/1175536.html

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s