وقود الفخر

لم يكن هناك أجمل من خبر فوز البحرينية ولاء عبدالهادي البقالي في مسابقة «تحدي القراءة العربي» في منتصف نهار ذلك اليوم الذي بدأ بصباح مؤكسد بأخبار المدفعيات التي تقصف المدن العربية وأعمار ساكنيها، وأخبار أنواع النزاعات التي تتفنن الشعوب البائسة في تدمير نفسها بها. فيما تكالبت على مزاج الصباح درجات من التراجع في مختلف المؤشرات التنموية تقودها الاقتصادية فتتبعها المؤشرات الحيوية الأخرى تاركة علامات استفهام كبيرة وقلقة.

نجح خبر فوز ولاء في فرد جباهنا التي غزتها تغضنات الصباح المشحون بالأخبار السلبية، لتنقلنا إلى مزاج آخر من الفرح بالتفوق الحقيقي المتدرج بين مراحل الفوز التي تضيق وتنتقي شاغليها ليس فقط من المحظوظين وإنما المجتهدين المثابرين، يشتعل الحماس في الانتقال بين المراحل وتنحبس الأنفاس مع آخرها ترقباً.

حمل خبر فوز ولاء معه أكثر من معنى وهي تقف على المسرح تحمل درعها ويسترسل على كتفيها وشاح علم البحرين، ولم تزل تكرر اسم البحرين بين جملها الواثقة التي قالتها أمام الكاميرا في خطاب الفوز لميكروفونات وسائل الإعلام، كما فعلت عندما تأهلت للمرحلة السابقة على المستوى الوطني في احتفال محلي أقامته لها وزارة التربية بحضور ممثل دولة الإمارات.

كانت ولاء كريمة وهي تهدي ثمرة جهدها وفرحتها بالفوز، للوطن وتتواضع، وهي تتمنى أن تكون بحجم الثقة بها منذ أن تأهلت أول مرة. الشعور بالانتماء يتضخم ويكبر لدى الفائز عندما يُنطق اسم وطنه مباشرة بعد تلاوة اسمه مستحقاً للفوز، وكأن من يُعلن الفوز بالجائزة يسارع بتهنئة أوطان الفائزين بفوز أبنائهم ويقول لها: قُرّت أعينكم بهؤلاء المتفوقين.

الإنجاز الحقيقي الذي حققه هذا المشروع الرائد هو أنه جعل أهم فئة من سكان الوطن العربي تقرأ، فهدف قراءة 100 مليون كتاب من قبل طالبات وطلاب المدارس من المرحلة الابتدائية وحتى الثانوية، تم تجاوزه بتوقعات أن يكون الرقم قد وصل إلى أكثر من 175 مليون كتاب، كما جاء في تصريح راعي المشروع، حاكم دبي، الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم. ولابد أن هذا الرقم سيغيّر هذا العام ما جاء به تقرير التنمية البشرية للعام 2011 الصادر عن مؤسسة «الفكر العربي» والذي يشير إلى أن العربي يقرأ بمعدل 6 دقائق سنويّاً، بينما يقرأ الأوروبي بمعدّل 200 ساعة سنويّاً.

وعلى رغم عدم التأكد من مدى الدقة في قياس هذه الأرقام فإنها تعطي مؤشراً وإن كان غير دقيق لصلة الفرد العربي بالكتاب.

ولذلك فإن مشروع «تحدي القراءة العربي» وسخاء جوائزه والكرم في مد مظلته إلى الدول العربية بدلاً من قصره على موطن الفكرة وصاحبها قد يكون هو من أهم مشاريع التنمية المعرفية والفكرية التي يتعطش لها وطننا العربي على امتداده؛ لأنه يقوم على فكرة البناء في زمن الهدم والتدمير.

الأجمل في الأمر أنه ليس بناء لمبان وأبراج عالية أسمنتية وإنما بناء عقول يافعة تفتحت للتو وتتنافس على خطفها مختلف الملهيات الكثيرة من حولها. فجاء مشروع «تحدي القراءة العربي» ليتحدى هذه الملهيات ويخطف منها أكثر من 3,5 ملايين طالبة وطالب عربي ويدخلهم عالم المعرفة الواسع ليتنافس كل منهم على قراءة 50 كتاباً، ويتسابقو لفهم وتلخيص هذه الكتب وتقديمها أمام المقيّمين. ليس ذلك فقط وإنما أيضاً عزز مكانة اللغة العربية لدى ما يعرف جيل اللغة الإنجليزية، أو ما يعرف بجيل (التشيكين نجتس) الذي أصبح يجيد التعبير عن نفسه بلغة الإعلام الغازي لأدق تفاصيل حياته، وذلك حين اشترط أن تكون لغة الكتب المقروءة للمسابقة هي العربية.

هذا المشروع نجح في تحويل انتباه المتسابقين عن برامج التواصل الاجتماعي والتسكع العبثي في فضاء الانترنت ومشاهدة الفضائيات، وأعاد هذا الانتباه إلى الكتاب للوفاء بمتطلبات المشاركة في المسابقة، ليتذوق الجميع متعة القراءة والمعرفة التي تراكمها في القارئ.

قد لا تعرف ولاء كمّ الفخر الذي أيقظته في وطنها بكلماتها البريئة الصادقة التي تناقلتها في غضون دقائق وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي المختلفة، لكنها حتماً ستعرف فيما بعد وهي ترى فوزها سطراً محفوراً في سجل الإنجاز والإبداع في تاريخ الإنجازات الحقيقية لأبناء الوطن. ستعرف أيضاً أنها جعلت البحرين في يوم فوزها، تبتسم.

صحيفة الوسط البحرينية – نشر بتاريخ 26-10-2016 – العدد: 5163

http://www.alwasatnews.com/news/1172948.html

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s