فخ الإنسانية مقابل الإصلاح

في العام 2012، دخلتُ منزلاً آيلاً للسقوط في منطقة النعيم، مكوناً من سبع غرف موزعة على طابقين، تهدّم السلم الإسمنتي الذي يربطهما، فاستعاض عنه الساكنون بسلمٍ خشبي. وفي الغرف تتراص الأسرّة المكونة من طابقين. وفي إحدى زوايا مساحة صغيرة تتوسط المنزل، كان هناك رجلٌ يحضّر الخضروات ليعد مرقاً، واضح من كميته أنه لعدد كبير من الأشخاص.

لا أزال أذكر الخوف في عيون عدد من العمال الواقفين متكوّمِين بباب إحدى غرف الطابق السفلي ينظرون إليّ بتوجُّس، ويرفضون الحديث، حتى طمأنهم مترجم كان برفقتنا إلى أننا لسنا مفتشين أو شرطة، وإنما سنتحدث معهم لإعداد بحث عن أوضاعهم. عرفت فيما بعد أن 72 عاملاً يعيشون في هذا المكان، جميعهم من فئة العمالة السائبة.

المنزل الذي لا يوجد على بابه قفل، مؤجَّرٌ لأشخاص لا يعرفون بعضهم، فعلاقتهم فردية بالمؤجِّر، وهو -في الغالب – وسيط آسيوي يستأجر المنزل من مالكه البحريني، ويحوّله إلى سكن للعمال، ويؤجره بنظام السرير. ولا تزيد متعلقات الواحد منهم عن صُرة ملابس بالية، وأدوات بسيطة رُصّت بنظام، تحت الأسرّة، وفي جوانب الغرف.

مثل هذه الصورة لمعيشة العمال، وربما أسوأ منها، تتكرّر في آلاف مساكن العمال المنتشرة في أحياء متفرقة في مدن البحرين وقراها، وهي متواصلة منذ أكثر من ثلاثين عاماً، ولم تطرح حتى الآن حلولٌ برؤية طويلة المدى لوقفها، على رغم الأضرار الإنسانية التي يتعرض لها هؤلاء العمال، والأضرار الاقتصادية والاجتماعية التي يتعرض لها المجتمع جرّاء وجودهم هنا بهذه الصفة غير الرسمية وغير القانونية.

وعلى رغم صعوبة حصر هؤلاء العمال؛ إلاّ أن الحديث يدور دائماً عن 60 ألف عامل، والبعض يذهب إلى أنهم أكثر من 80 ألف عامل. وبأقل تقدير، فإنهم يشكلون على الأقل 10 في المئة من إجمالي العمالة الأجنبية العاملة في البحرين، البالغ حجمها 582.4 ألف عامل بحسب أرقام هيئة تنظيم سوق العمل.

الرئيس التنفيذي لهيئة تنظيم سوق العمل أسامة العبسي، صنّف العمالة السائبة، في تحقيق سابق، كالتالي: المسجلون على منشأة غير قائمة، ومن لم تجدد تراخيص عملهم في السوق المحلية، ومن أُلغي ترخيصه ولم يغادر، بالإضافة إلى فئة رابعة من العمالة السائبة تضم عمّالاً ببيانات صحيحة قانوناً، إلا أنهم لا يعملون لدى الكفيل الأصلي المسجلين باسمه في السجلات الرسمية.

أمران يشغلان بال العمال هنا، الأول: كسب المال، ويعني ذلك المال لمعيشة أسرته في بلده الأم، والمال ليوفّي الدين الذي استدانه ليتمكن من المجيء، والمال ليدفعه للكفيل الذي جاء به، عبر وسيط أو وسطاء، إلى البحرين بناء على وعود الالتحاق بوظيفة، ليكتشف بعد الوصول أنه يجب أن يتبادل الدور مع الكفيل ويدفع له ثمن جلبه إلى البحرين وبقائه للعمل فيها، هذا بالإضافة إلى المال ليؤمّن له معيشته البائسة كي يقوى على الوفاء بكل التزاماته السابقة.

والأمر الآخر الذي يشغل بال هؤلاء العمال، هو الاختفاء عن عيون المفتشين، فمنذ لحظة وصولهم البحرين، يتحوّلون إلى مخالفين للقانون بالإكراه، ويتوجّب عليهم تحمّل تبعات هذا الوضع، وإخفاء أنفسهم عن المفتشين العماليين، لأن اكتشاف أمرهم يعني تعرضهم للغرامة، والسجن…. والترحيل.

هذا الأمر الثاني هو ما تسعى هيئة تنظيم سوق العمل لتخفيفه عن كاهل هؤلاء العمال تحت نظام «تصريح العمل المرن» الذي وافق عليه مجلس الوزراء الأسبوع الماضي. وهذا النظام، بحسب ما جاء في إعلان المجلس «يوفر بديلاً قانونياً لاستخدام العمالة غير النظامية، وهو تصريح تصدره هيئة تنظيم سوق العمل للعامل الأجنبي لمدة سنتين، يمكّنه من العمل المؤقت لدى أي صاحب عمل أو فرد في أية مهنة لا تتطلب ترخيصاً احترافياً لمزاولتها».

قد يكون من المبكر تقييم هذا النظام في هذا الوقت الذي لم تُعلن حتى الآن آلية العمل به، والأهداف المحدّدة التي تم تصميمه من أجل تحقيقها. لكن الفقرة المقتضبة، والتسريبات القليلة التالية عن تصريح العمل المرتقب؛ فتحت على أسئلة لابد أن الهيئة قد مرت بها وأجابتها في دراستها لهذا النظام، ونأمل أن تشاركنا فيها عند الإعلان عن تفاصيل النظام فيما بعد.

فإذا كانت العمالة السائبة أصلاً هي نتاج مخالفات أصحاب عمل يستغلون ثغرات القوانين وضعف الرقابة فيستقدمون عمّالاً بتأشيرات ظاهرها من أجل العمل لدى المستقدم في شواغر وهمية في الغالب، وباطنها تسريح العمال ثم ربطهم بـ»أتاوات» سنوية، ويتشارك في هذه التجاوزات «مرابون» في بلاد العمال الأصلية؛ فما الذي يدفع لإصلاح وضع الضحايا وليس معاقبة هؤلاء المخالفين، وإلزامهم بتصحيح أخطائهم بتعويض هؤلاء العمال، وإعادتهم إلى بلدانهم؟ فالمادة (23) البند (ب) من قانون العمل تنص على «عدم قانونية استقدام عامل أجنبي وتشغيله في غير العمل الذي استُقدم من أجله».

تطبيق النظام المرتقب سيتطلب تقديم طلب متكامل بالوثائق، وهذا ما لن يتوفر مع الغالبية العظمى من العمالة السائبة التي يعاني أفرادها أصلاً من حجز جوازات سفرهم لدى الكفلاء، في مخالفة صريحة لقانون منع الاتجار بالأشخاص، لحين انتهاء فترة العقد، وقبض أصحاب العمل المبالغ المتفق عليها من العامل. لا يوجد سبب يجعل صاحب العمل يستجيب لعامله بتسليمه وثائقه الشخصية التي تعتبر دليلاً على مخالفته للقانون، والأكثر من ذلك أن يستغني عن المبالغ التي يحصل عليها من (بيعه) تأشيرة الدخول على هؤلاء العمال، والتي هي الهدف الأساسي من مخالفته للقانون، وجلبه لهؤلاء العمال وتسريحهم في سوق العمل.

في منتصف العقد الماضي، كان رفع كلفة الأجنبي في السوق وجعل البحريني أكثر جاذبيةً لأصحاب العمل ركناً أساسياً من أركان خطة إصلاح سوق العمل، ضمن مشروع سمو ولي العهد للإصلاح الاقتصادي، فأين يقف مثل هذا النظام الذي، لو قُدِّر له النجاح، سيطلق عشرات الآلاف من العمالة الرخيصة التي تكفلها الحكومة، هذه المرة، من هذه الخطة بعد مرور عقد ونصف على إطلاقها!

للإنصاف، فالمشروع ينطوي على نوايا مخلصة لتوفير الغطاء القانوني لشريحة تمثل نحو 4% من السكان لا ذنب لها سوى الجهل.

لا يُخفى حماس الهيئة للإصلاح، واجتهادها في ظل الإرث الثقيل الذي ورثته من أسلافها، والحاجة تبدو كبيرةً لحلول من خارج الصندوق تكون أولويتها على الإطلاق المصلحة الوطنية، هذه الحلول لا يجب أن يكون من بينها التغاضي عن المخالفات القانونية والحقوقية التي مارسها، ولا يزال، تجار البشر. ولا إيواء ضحاياهم في اقتصاد منهك أصلاً، فتقنين وجودهم لن يولّد لهم فرص عمل إضافية، بل سيبقي غالبيتهم في فئة متسولي العمل في الطرقات، وتحت الشمس هذه المرة.

صحيفة الوسط البحرينية – نشر بتاريخ 05-10-2016 – العدد: 5142

http://www.alwasatnews.com/news/1165818.html

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s