سراب الجنة

في العام 2006، أُوقِف رئيس تحرير صحيفة «يمن أوبزرفر» محمد الأسعدي، لمدة 12 يوماً على ذمة التحقيق في قضية إعادة نشر الرسوم الكاريكاتورية التي نشرها في الأصل رسام دنماركي وأُشيرَ إليها، في ذلك الوقت، بالرسوم المسيئة للرسول (ص). وأوقفت الصحيفة مدة طويلة ثم عادت للصدور بعد الحكم عليها بغرامة قدرها نصف مليون ريال يمني (2500 دولار أميركي) ليس بسبب الإدانة وإنما لغرض التأديب.

كان ما تعرّض له الصديق الكاتب الصحافي الأسعدي نموذجاً لما حدث لرؤساء تحرير صحف يمنية أخرى، وربما حدثت ردود أفعال رسمية مشابهة في دول إسلامية أخرى حينها أيضاً، إذ أوقفوا وحُرموا من الكتابة وغُرِّموا وأوقفت الصحف التي يديرونها لآجال مختلفة وذلك بسبب نشر تلك الرسوم التي (هزّت) المسلمين في ذاك الوقت، وكان للحدث ردود أفعال مختلفة من بينها مقاطعة المنتجات الدنماركية التي لايزال البعض ملتزماً بها ويعتبر شراءها ضرباً من الحرام.

فشلت الصحف التي نشرت الرسوم في دفاعها عن النشر بأنه لغرض الإعلام والتعريف وليس التأييد، واعتمدت السلطات القضائية، كما نقل عنها حينئذ، على قاعدة في النشر الصحافي مفادها «إن من قام بإعادة النشر للإساءة فهو مسيء».

لم تكن محاكمة الأسعدي وزملائه في قاعة المحكمة فقط، وإنما تعرّضوا لتهديدات مباشرة وغير مباشرة في خطب المساجد، ومن المساجين الآخرين الذين تصادف وجودهم في السجن معهم.

بعد مرور نحو 10 سنوات، اتُّهم الكاتب الصحافي الأردني، ناهض حتّر- الذي قتل قبل أيام- من قبل السلطات القضائية في بلاده بـ»إثارة النعرات المذهبية» و»إهانة المعتقد الديني» في رسم كاريكاتوري على صفحته بـ»الفيس بوك». وأُوقِفَ حتر نحو أسبوعين ثم أُطلق سراحه لتستمر محاكمته، إلا أن متطرفاً وجد في «فعل» حتر ما يفتح له أبواب الجنة فقتله رمياًً بالرصاص وهو في طريقه إلى جلسته بالمحكمة.

ما يتشابه في القصتين ليس النشر، فصحف اليمن نشرت للإعلام عن قضية كانت متداولة، ولا بد أن من يسمع بها يود أن يشاهد تلك الرسوم التي أقامت الدنيا حينها، وهو من صميم عملها ومسئوليتها تجاه قرائها، بينما الكاتب الأردني تبرّع بمشاركة رسم كاريكاتيري على صفحته. في كلا القصتين، أيضاً، كان الرسم الكاريكاتيري مسيئاً وفي الأخيرة، شخصياً وجدت الرسم فقيراً فنياً وتعبيرياً وذوقياً.

ما يلفت في القصتين أن السنوات العشر التي تفصلهما لم تخلق مكانةً للقانون، ولم يتشكل جيلٌ يأمن لحكم المحكمة ويستمع إليه ويرضى به. ازداد تطرف المتطرفين، ولايزال هناك من يعتقد أن التخلص من الآخر هو الحل للخلاف ولمشكلة الاختلاف. فقاتل حتر لم يندم، إذ سلّم نفسه للسلطات فيما بعد.

قضيت بعض الوقت أتنقل بين حسابات أصدقائي الأردنيين، وأتابع الوسوم التي تحمل تعليقات عن الحادث، في وسائل التواصل الاجتماعي، فلم أجد شيئاً غير متوقع في التعليقات والردود التي تسخن وتتصاعد إلى درجة فقدان اللياقة في التعليق، واستخدام ألفاظ قاسية وبذيئة، ومغادرة أشخاص حسابات من كانوا أصدقاءهم «الفيسبوكيين» لاختلاف الرأي بينهم.

وانقسمت ردود الأفعال ما بين من دافع عن حق الكاتب حتر في قول رأيه، وإن كان هناك ما يسيء، فليلجأ المعارضون إلى مقاضاته، والبعض ساءه القتل برغم اختلافه وربما خلافه مع الكاتب المغدور، فدافع عن حقه في الحياة وحقه في الخضوع لمحاكمة عادلة. وعلى رغم أن الرجل قد ترك المشهد وغادر الحياة إلا أن بعض المعلقين أظهروا رد فعل عصبياً إزاء قيامه بنشره الرسم الكاريكاتيري على صفحته، وكأن الكاتب كان ماثلاً أمامهم، واعتبروا القاتل بطلاً يحسد على أجر تلك الشجاعة التي أوقفت نبض حياة الكاتب. ولم يشفع له في ذلك مقال كتبه ذات مرة امتدح فيه الرسول (ص) قال فيه: «ولدتُ في عائلة عربية مسيحية، وأنا ماركسي في الفكر، وقومي وعلماني في السياسة. وبسبب كل ذلك ـ لا برغمه ـ تجرحني الإساءة للرسول، وأشعر بالتحدي إزاء تلك العصابات العنصرية الإمبريالية المعادية للإسلام والعروبة والعالم الثالث وحركات التحرر الوطني».

التجول في حسابات الناشطين كشف أن غالبية الحوارات تحمل عدم رغبة أطرافها في الوصول إلى مرحلة وسطية للتعامل بالمنطق بشأن مّا حدث. حقوقي اجتماعي أردني علّق قائلاً إن التطرف هو آفة المجتمعات المُحبَطة التي تجعل من يتصفون بها، سواءً على الصعيد العرقي أو الديني أو الطائفي، يضيقون ذرعاً بوجود الآخرين المختلفين في المجتمع، ويجدون في تصفيتهم الحل الأمثل لسيادتهم. حلان آخران أمام المحبطين، والحديث للحقوقي، هما الهجرة أو الانتحار، وكلاهما حلٌ يُخلي البلدان من نخبها الفكرية والحيوية الراغبة في العيش الكريم والعطاء والمساهمة، والتي يصدمها ويشوشها الواقع ويدفعها لأحد هذه الحلول.

ما حدث قبل أيام لم يكن شيئاً غير متوقع، لأن التطرف كبر وتغوّلت علاقته العكسية مع احترام الآخر والتعايش معه، وأصبح يحمل في ثناياه تهديداً للأمان المجتمعي بإلغائه دور القانون. وجريمة قتل حتر لن يتم تسويتها بالاقتصاص من القاتل، فالموت بالنسبة له ليس عقاباً؛ بل هو الحياة الموعودة لشدة سوء الحياة الواقعية التي يعيشها فعلاً.

حلول الإحباط باتت تتكرر كثيراً، ربما يبدو الانتحار أقلّها في صورته التقليدية، لكن في الحقيقة هو الحل الأكثر انتشاراً بين المحبطين، فشعوبنا التي أنهكتها الحروب وأحنت ظهورها الأسقف المنخفضة، باتت هشّةً ومعبّأةً بهؤلاء الذين أوقف يأسهم عجلة التطور في حياتهم، وباتت أعمارهم سنواتٍ غير ذات قيمة يقضونها، ولا يضيفون فيها شيئاً لأنفسهم ولا للعالم الذي يعيشون فيه، فلا بأس إن بحثوا عن سعادتهم في حيوات أخرى.

جريمة قتل حتر ليست أوّل الأجراس التي تقرع لكنه قُرع في حين غفلة وهدوء. لربما أوقظ النائمين من سباتهم.

صحيفة الوسط البحرينية – نشر بتاريخ 28-09-2016 – العدد: 5135

http://www.alwasatnews.com/news/1163411.html

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s