علاقات روبوتية!

أطلعني أحد الأصدقاء على مخطوطة رواية يكتب حالياً فصولها الأخيرة. وتدور أحداثها حول علاقة إنسان بروبوت، هو عبارة عن امرأة تتمتع بمقاييس الكمال كما يراها بطل الرواية ويتمناها. هذه المرأة الروبوتية، وصلته كهديةٍ من صديقه الكوري، مبرمجة لتسافر وحدها وتعرف طريقها إلى مكتبه في إحدى الدول العربية، وتطرق بابه ليبدأ البطل الأرمل فصلاً جديداً من حياته مع امرأة فاتنة الجمال، تلبي كل طلباته ورغباته بدقة بالغة، لا تفارقها الابتسامة، ولا تتعب، ولا تغضب، ولا تملّ وهي تفعل كل ما يحب وتتجنب ما يكره، فهي لا تحمل أية أحاسيس، لكنها بخلاف البشر، لا تتذوق الأكل ولا تحتاجه فطاقتها تستمدها من البطارية والطاقة الشمسية.

وعلى رغم أن الخيال الأجنبي تمادى كثيراً في نسج العلاقات بين الإنسان والروبوت في أكثر من عمل فني، لكن جو الرواية العربي شدّني مع تطورات أحداثها التي لم تنته بعد، وجعلني أتساءل إن كانت مثل هذه العلاقة ستكون يوماً، واقعاً في ظل التطورات التكنولوجية التي نستوردها بشكل متزامن مع اكتشافها وتكون جزءًا من حياتنا بإرادتنا وأحياناً بدونها.

بقدر ما تحفظت في استبعادي حدوث ذلك، أرعبتني الفكرة. وحفزتني لأستأذن الكاتب أن أطرح فكرة روايته كسؤال عن تفضيل الشريك/ الشريكة الطبيعيين أو الروبوت، على مجموعةٍ من الأصدقاء والمعارف من مختلف الأعمار والخلفيات الثقافية، وأيضاً الخبرات الحياتية والزوجية. فجاءت الردود في غالبيتها تحمل اتفاقاً متفاوتاً بين الجنسين في تفضيل الشريك الطبيعي على الروبوت. البعض كان حاسماً بـ»التأكيد على الطبيعي لأن العيش مع روبوت مبرمج على أداء مهامه بدقة ما يشبه السير في طريق طويل ممهد لكنه ممل بلا مطبات ومنعطفات، فهو يبعث على الملل وتعطيل المخ». البعض أعجبتهم الفكرة مبدئياً، فقال أحدهم «سأكون حراً، لن أحتاج لتبرير تأخري عن المنزل، ولن ترهقني الطلبات التي لا تنتهي، وسأتخلّص من (الحنّة) ووجع الرأس»!

إحداهن وجدت العرض مغرياً ذلك «لأن الأزواج بعد فترةٍ يصبحون مملين، والعاطفة تفتر مع السنين، فهم يصبحون أسوأ من الروبوت»، لكن تراجعت في أن يحل الروبوت محل الزوج قائلةً: «من الصعب التعامل مع آلة إلا كخادم وليس زوج، القلب هو ما أبحث عنه». وأخرى قالت: «للروبوت مزايا فهو ليس له عمر بيولوجي، ولن يخون، ولن يدقّق في كل شيء أعمله، لن يمنع حريتي، لن يتطفل ولن يزعجني في وقتي»، لكنها تراجعت لكون الروبوت بلا امتداد إنساني في الماضي والمستقبل، واتفق معها من أكّد اختياره «المرأة الطبيعية بكل ما تحمله من إرث اجتماعي وثقافي وخبرات متراكمة في الحياة».

كانت أيضاً هناك آراء تقترب من المثالية باستنكار البحث عن الكمال في الشريك «في حين أننا لسنا كاملين». فقال أحدهم «صعبٌ اختيار شريكة روبوت، يكفي أن كمالها مبرمج، سأشتاق لأمور إنسانية تلقائية صغيرة كروح الدعابة والخلافات الصغيرة». ومثله قالت إحداهن: «درجة الكمال ليست صفة إنسانية، الروبوت كامل الصفات سيصيبني بالسأم، الاختلافات تعزّز العلاقات وتعطيها الحيوية بالطبع إذا لم تصل إلى درجة الخلاف الشديد».

بعض الآراء كانت طريفةً، فإحداهن حديثة العهد بالزواج، تخوّفت من عدم تفاعل الروبوت حين الطوارئ كتعرّض المنزل لحريق، أو أن يصاب بعطل مفاجئ في أوقات حرجة، أو أن تنفذ قطع غياره من السوق»! ووافقها في الرأي من أكّد «إن إحدى الصفات المهمة في الإنسان هو العقل والذكاء وقدرته على التأقلم مع محيطه والتطورات في حياته، فهل كلما حدث تغيير في الحياة ننادي المبرمج حتى يبرمج الروبوت؟»! فيما تساءلت إحداهن: «المطاعم تكاد تكون برنامج الترفيه الوحيد هنا، ماذا أفعل بزوجٍ لا يشاركني متعة الأكل»!

وبعيداً عن الطرافة، وجد أحدهم هذا الأمر مهماً بالتساؤل: «ما معنى الزواج عندما آكل لوحدي، أو عندما لا تتذوّق شريكتي ما أطبخه أو فنجان القهوة الذي أصنعه في الصباح أو لا تنفعل معي وأنا أقرأ خبراً مؤثراً». إحداهن طمعت في الاختيار فقالت «سيكون رائعاً أن أحصل على شريك طبيعي دافئ المشاعر، وقادراً أن يهديني روبوتاً أبرمجه للخدمة»!

وبسخرية، كرّرت إحداهن المثل الشعبي الذي نسمعه باللهجة المصرية وبه «تحامل» نسائي على الرجال، قائلة: «رأيي أن ظل راجل ولا ظل حيطة، لأن الموضوع ليس الظل وإنما ما وراءه. إن الروبوت سيكون ظله ثابتاً لا يتغير بتغير الظروف والزمن، عكس الإنسان الطبيعي». ومن آراء الجنس الآخر المقاربة قال أحدهم: «خيار الروبوت في الكبر قد يكون أكثر إنسانيةً من الإنسان في العناية والاهتمام، فالروبوت لا يمل ولا يكل».

آراء كثيرة اتفقت على أهمية عنصر المفاجأة في العلاقات الزوجية والإنسانية بشكل عام، فالروبوت المبرمج لا يعرف المفاجأة. وغالبية الآراء المؤيدة للشريك الطبيعي بحثت عن الأحاسيس المشتركة والمتبادلة بالرضا في العلاقة مع الآخر، بدلاً من أن يكون الرضا في اتجاه واحد. واختصرت إحداهن ذلك بالقول «إحساسي في العلاقة مع الشريك مهم، ولكن على نفس القدر من الأهمية يأتي إحساسي بأهميتي لدى الطرف الآخر». واتفق معها رأي أحدهم بالقول «إن الإحساس هو جوهر العلاقة البشرية، وهي قيمة بحد ذاتها. إحساس الحب مثلاً يُعبّر عن ذاته تلقائياً وبحسب الظروف وبإيماءات وإشارات تلقائية. ردّ فعل الشريك الدافئ عندما تلمسه هو ما يكون لحظة الحب ويأخذها إلى ما هو أعمق».

البعض نقم كثيراً على التكنولوجيا التي تحوّل الشريك إلى أداة للمتعة والخدمة، وأحد الأصدقاء وجد أن الفكرة مرعبةٌ إلى أبعد الحدود، وقال بجدية كبيرة: «أكثر ما يحمينا في الدنيا كبشر هو الحفاظ على قيمة الإنسان كإنسان، وعدم تحويله إلى سلعة استهلاكية. اختيار الروبوت قد يختصر ما أصاب العقل البشري وضميره من خراب وانتحار ذاتي وعدم فهمه لقيمته وطبيعته، والانتقال من فكرة التعاون بين البشر إلى الملكية والاستحواذ والعبودية، كما أننا دائماً بحاجةٍ إلى من يتحدّى عقلنا كي تنمو قدرتنا على التفكير، ومن يتفاعل معنا حتى يصبح هناك قيمة لفعلنا وكي يستمر التواصل بين الناس. العلاقة مع الروبوت ستحوّلنا إلى روبوتات ولن تحوّل الروبوتات إلى بشر».

كان السؤال بالاختيار فرصة لنسأل أنفسنا ونحن نبحث عن الرد، عما نريده في الشريك/ الشريكة. أما الاتفاق الكبير على أهمية الإحساس المشترك والرضا المتبادل، والرعب من أتمتة العلاقة مع الشريك/ الشريكة فهو يقترح أن حاجتنا لوجود الآخر في حياتنا لاتزال بخير، وسط هذا المد الالكتروني الذي أصاب الكثير من النواحي الإنسانية والعلاقات بالخلل والعطل أحياناً. لكن إمكانية ظهور البديل الالكتروني تقترح أيضاً محاولة الوصول إلى مزيدٍ من الفهم للآخر، ليكون تفضيله على الروبوت له معنى، فإن كانت العلاقة بين المرأة والرجل للحفاظ على النوع البشري والزواج من روبوت يناقض هذه الحقيقة البيولوجية، فهناك الكثير من العلاقات الأسرية التي أطرافها أشخاص طبيعيون، ولكن تنقصها السعادة وتكون بذلك أشبه بالكائنات الروبوتية في أداء مسئولياتها.

النقاش حول السؤال فتح الباب على سؤال أكثر أهمية، وهو إن كانت العلاقة بين الأزواج بيولوجية أم أنها علاقة إنسانية حميمة. لم تجب إحدى الصديقات على السؤال الأول واختصرت ما تراه بالقول: «سأختار زوجاً طبيعياً بدون شك، لكن مهم أن يكون صديقاً قبل كل شيء».

صحيفة الوسط البحرينية – نشر بتاريخ 08-06-2016 – العدد: 5023

http://www.alwasatnews.com/news/1123755.html

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s