الزائر “الملحد”

 قبل أن يصل الأميركي من أصول هندية، ديباك تشوبرا إلى البحرين، للحديث عن موضوع «مستقبل الصحة الذهنية والجسدية»، وصلتني، كعضوة في مجموعة «واتسابية»، رسالة تدعو لمقاطعة الزائر «الملحد» القادم من لوس أنجلوس. ومع الرسالة عدد من الروابط التي تبرر التحذير في هذه الرسالة، والقائم على أن تشوبرا من المؤمنين بـ«حركة المهاريشية» التي قام بتأسيسها عالم من الهند يدعى مهاريشي ماهش يوغي، وأطلق من خلالها تقنية التأمل التجاوزي القائم على علم الفيدا الهندي القديم.

المقدمة السابقة ليست تمهيداً لتعريف ديباك تشوبرا، ولا لتعريف المهاريشية ولا تقنية التأمل التجاوزي ولا علم الفيدا القديم الذي تقوم عليه، فبضغطة أزرار بإمكان متصفح الانترنت الحصول على مصادر كثيرة تقدّم تعريفاً وترويجاً ونقداً لكل ما تقدّم، وكل ما يشتهيه العقل البشري من محفزات تدعوه للبحث وراء المزيد، أو ما يكتفى به لكونه يتسق مع ما يعرفه ويؤمن به. كما أن هذه الفسحة المكانية ليست لتأييد أو للاختلاف مع هؤلاء الأشخاص، والمدارس السلوكية أو الفكرية التي يؤمنون بها أو يدعون إليها، فهذا أيضاً مفتوح ومتروك للعقول والمعتقدات والثقافات التي دعت أصحابها لإرسال هذه الرسالة التحذيرية، وللذين تلقوا هذه الرسالة سواء ممن لهم خلفية سابقة عن الموضوع أو ممن لامست الرسالة فضولهم ودعتهم للمزيد من البحث.

أمران يلفتان الانتباه في دعوة «الواتس أب» بعيداً عن الرجل الزائر الذي حذّرت منه، أحدهما إجرائي سلوكي ويعتبر من أسوأ أوجه الاستفادة من وسائل التواصل المجانية، إذ يتم إعادة إرسال الرسائل بشكل آلي من قبل البعض دون الانتباه لما فيها، وعمّا إذا كانت فعلاً تعبّر عن رأي المرسل أو أن لها فائدة وتعني المرسل إليه. فيومياً تصلنا مئات الرسائل التي يتم إعادة تدويرها بين مستخدمي «الواتس أب» سواء الأفراد أو المجموعات، غالبيتها تنتمي لفئة البريد العشوائي المعلّب. مما يعني أن البعض قام بإعادة إرسال «برودكاست» مقاطعة المتحدث الزائر دون معرفة ما تحويه هذه الرسالة. فقد قمت بالتواصل مع من أرسل لي الرسالة لأكتشف أن البعض لم يكن يعرف مضمون الرسالة، والبعض لا يعرف شيئاً عن المتحدث أصلاً، ومع ذلك كان مستعداً لمقاطعته، وحثّ الآخرين أيضاً على ذلك، معتبراً أن أحداً يفوقه فهماً وعلماً قد قام بالبحث والتقصّي عنه وقدّم له رأياً جاهزاً للسير عليه.

أما الأمر الآخر والأهم فهو الدعوة للمقاطعة بما تعنيه من حثٍّ على عدم تقبل وجود الآخر، وعلى إلغاء النية -إن وجدت- لمناقشته والتعرف أكثر على نقاط الخلاف لحلّها ربما، أو للبحث عن مواقع تقاطع وتشابه للأفكار، أو حتى للنظر في إمكانية الوصول إلى منطقة متوسطة من التعايش بينهما، والأهم من ذلك استكشاف هذا العلم الواسع الذي سيتحدث عنه والذي أصبح له 6 ملايين شخص متابع لا يدعون للحرب، وقتل الآخر، وإنما للتعايش بسلام مع النفس وتقلباتها، ومع الآخر المختلف، والحفاظ على صحة الجسد والذهن.

لن نخسر شيئاً لو تنازلنا قليلاً عن هذا التشنّج في رفض الآخر، وبحثنا عن تفاصيل صغيرة قد تجمعنا إنسانياً، وقد تفتح لنا أبواباً جديدة تحفز عقولنا للبحث من أجل تقدمنا.

في كتاب نوقش على قناة «الجزيرة» في 2004، بعنوان «الفكر اليوناني والثقافة العربية، حركة الترجمة اليونانية العربية في بغداد، والمجتمع العباسي المبكر» للبروفيسور ديميتري غوتاس أستاذ اللغة العربية وآدابها في جامعة ييل في الولايات المتحدة، تحدّث عن أهمية حركة الترجمة، ونقل العلوم من الثقافات الأخرى خصوصاً حركة الترجمة من اليونانية إلى العربية في العصر الذهبي للحضارة الإسلامية، واعتبر «أن تلك الترجمة كانت جزءًا من نظرة سياسية وعلمية؛ بل واستراتيجية أشمل تبنّاها الخلفاء العباسيون كالمنصور والرشيد والمأمون، بهدف توسيع وتعميق شرعية الدولة العباسية، وكانت بالطبع مدفوعة أيضاً بعوامل الحاجة إلى البحث العلمي، وتطوير العلوم، وقد قادت إلى إنتاج حركة ترجمة لم يسبق لها مثيل أدت إلى قيام فترة من أعظم الفترات وأكثرها تقدماً في التاريخ الإنساني».

وقبل العصر العباسي كانت الترجمة في العصر الأموي قد ركّزت على الفلك والطب والكيمياء لتتوسع فيما بعد في العصر العباسي لتشمل الفلسفة. ومن أهم ما جعل هذه العلوم التي تُرجمت إلى العربية تستحق أن يعاد ترجمتها فيما بعد إلى لغات أخرى، أن المسلمين لم يكونوا يعتمدون على النقل والترجمة فقط، وإنّما يسترسلون في الشرح والتفسير والنقد والتصحيح، ثم الإضافة والابتكار كما جاء في «دراسات في تاريخ الحضارة الإسلامية العربية» للباحث سعيد عبد الفتاح.

وفي حديث رُوي عن أبي هريرة وقيل عنه أنه ضعيف ولكنه صحيح «الحكمة ضالة المؤمن، أنّى وجدها أخذ بها». لم يكن اليونانيون الذين نقلت عنهم علوم الفلسفة مسلمين؛ ولا الهنود الذين نقلت عنهم علوم الطب الحديثة والقديمة. العلوم وجدت لتطور البشرية وتقدمها، والأديان لتنظم القيم في المجتمعات وتكملها. وفي حين اكتملت الأديان بخاتم الأنبياء والمرسلين، فإن العلم سيواصل تطوّره مادام الإنسان موجوداً، وليس من الحكمة أن نغلق عقولنا عن العلوم التي يتفوّق فيها من هم على غير ديننا وفكرنا، لأننا قد نكون بذلك قد ضيّعنا على أنفسنا وعلى العالم من حولنا فرصة الاستفادة أو ربما البدء والمواصلة من حيث يقف الآخرون. أما الفيلسوف أرسطو فقال: «الجاهل يؤكّد، والعالم يشك، والعاقل يتروّى»… ففي أي فئة نرى أنفسنا!

صحيفة الوسط البحرينية – نشر بتاريخ 20-04-2016 – العدد: 4974

http://www.alwasatnews.com/news/1104676.html

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s