خلود

قال مفكر عربي بارز له مؤلفات عديدة، في لقاء صحافي أجريته معه قبل سنوات: «كتبي هي أبنائي الذكور». وكان المفكر الذي رُزق بذرية من البنات يعني أن كتبه كالأبناء الذكور الذين يحملون اسمه ويخلّدونه فيما بعد. ففي ثقافتنا، غالباً ما يسعد الرجل بالأبناء الذكور ويظلّ ينتظر أن يُسمّى بكنيته المنسوب إليها بابنه. وكثيرٌ من آباء البنات يفضّلون أن يكنّوا بالاسم الدارج في ارتباطه بأسمائهم في المجتمع، على أن يُكنّوا بأسماء بناتهم.

وعلى رغم تحضّر هذا المفكّر، ولا أشك في إيمانه بمساواة المرأة بالرجل في إعطائهما الفرصة الحياتية ذاتها للتعليم وسائر الحقوق الأخرى، إلا أن تعليقه كان عفويا،ً تفوّه به سريعاُ دون أن يشذب ثقافته المجتمعية المتأصلة في جدران فكره، قبل أن تبنى عليها ثقافته طبقات جديدة.

ما ذكّرني بهذا الموقف هو التعليقات التي اشتعلت بها وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي بعد وفاة المهندسة المعمارية العراقية الأصل، بريطانية الجنسية، زها حديد، نهاية الأسبوع الماضي. وتعدّدت الفئات التي عبّرت عن فخرها بإنجازات حديد واعتبرتها رأس الحربة التي سبقت آخرين وتعدّت المراتب القصوى التي بلغتها هذه الفئات من قبل. وبالإضافة إلى إنجازات زها وتفرّدها الذي اكتسبت منه شهرتها، وبالإضافة إلى كونها عربية عراقية، فإن كونها امرأة قد أخذ نصيباً كبيراً من فخر ودهشة المعلقين.

في بيان وفاتها ذُكر أنها من أكثر المهندسات المعماريات شهرة، بل ربما هي الأشهر في العالم كمبدعة قدّمت تصاميم مبتكرة وغير مسبوقة، تعتبر لمن يتمكن من تحمل تكاليف التعاقد معها من قبيل البذخ في التصميم الهندسي. وأنها أول امرأة تحصل على جائزة «برتزكر» التي تعتبر بمثابة جائزة نوبل في الهندسة المعمارية، كما إنها أول امرأة تحصل على الميدالية الذهبية من المعهد الملكي البريطاني، بالإضافة إلى حصولها على جوائز وتكريمات عديدة أخرى.

تساءلت: «لو خُيّر والد زها، هل سيفضّل أن يكون قد أنجب ابناً ذكراً بدلاً من زها، ولو خُيّر بين أن يسمّى بأبي زها أو باسم ابن ذكر، هل سيختار الابن أم سيختار زها بما أضافته لاسمه ولاسم العائلة من شهرة اكتسبتها من تمّيزها في المجال الذي تخصّصت فيه!

هذا التساؤل ليس مرده الفخر المجتمعي بالشهرة التي حصدتها حديد بمعناها المجرّد، وإنما من مثابرتها وجهدها في الابتكار والتطوير والتغيير في مجالها. وأياّ ما كان قرار والد زها فهو قرارٌ محكومٌ بتكوينه الشخصي والمجتمعي، ومسببات الفخر فيه؛ لكن للتاريخ معاييره الصارمة التي يسطر بها أسماء صانعيه على صفحاته.

وتقليدياً، تعتبر الشهرة أحد المجالات التي تجلب للإنسان السعادة والفخر والمكانة الاجتماعية أو العلمية في المجتمع بدوائره المتعددة. ودفع هذا الكثيرين للسعي لشراء الشهرة بالمال، كما تمادى البعض أحياناً بشراء اعتراف محيطهم بإنجازات مصطنعة، بالمال، حتى لم تعد الدروع والأوسمة والأسماء «الرنّانة» للجوائز دليلاً واقعياً على إنجازٍ حقيقي، وشهرةٍ تستحق الخلود.

ولابد من الإشارة إلى أن الشهرة ليست فقط من نصيب ذوي الإنجازات الخيّرة، فالطغاة والأشرار أيضاً يُخلّد التاريخ أسماءهم في صفحاته السوداء. وكما يدعو الناس للمشهورين الأخيار بالرحمة عندما يأتي ذكرهم، فإنهم يتعوّذون بالله من الشيطان الرجيم عند ذكر من يشتهر بأفعاله الشريرة.

في التعبير المجازي الذي ربط المفكّر فيه الأبناء الذكور بالخلود عندما اعتبر كتبه أبناءه الذكور، انتقاص لقيمة فكره وكتبه، فقد كان يرى الخلود في الاسم أكثر منه في العمل والعلم والفكر الذي ستصنعه كتبه، لكن لو خيّرنا التاريخ أيّاً من الأشخاص يختار ليكتبهم في سجل الخالدين، فلن يختار بالتأكيد الآباء الذين أنجبوا ذكوراً حافظوا على اسم هؤلاء الآباء ليكون الاسم الثاني في بطاقة الهوية ثم الثالث، ثم يختفي ليحل محله الجيل التالي، وإنما سيختار من قدّم أعمالاً وإنجازاتٍ تقدّم خيراً وتقدماً للبشرية تأخذها خطوةً إلى الأمام على طريق الحضارة.

صحيفة الوسط البحرينية – نشر بتاريخ 06-04-2016 – العدد: 4960

http://www.alwasatnews.com/news/1099097.html

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s