المرض الهولندي

~في العام 1977، أطلقت مجلة «الإيكونومست» مسمّى «المرض الهولندي»، على الظاهرة التي أصابت الاقتصاد الهولندي بسبب سوء الإدارة للثروة المفاجئة التي تدفقت عليه بعد اكتشاف حقول ضخمة من الغاز الطبيعي في بحر الشمال في مطلع ستينيات القرن الماضي. وكان الاقتصاد الهولندي قد شهد ازدهاراً كبيراً بعد اكتشاف تلك الحقول مما ولّد ثروة ضخمة من التدفقات الخارجية إلى الداخل والتي أدت بدورها إلى ارتفاع قيمة الجلدر الهولندي فارتفعت أسعار الصادرات من القطاعات غير النفطية، أو الصناعات التحويلية بشكل خاص، وانخفضت تنافسيتها فأصبح الاعتماد الأساس على مداخيل الثروة الجديدة. كما ولّد الارتفاع الكبير والمفاجئ في الدخل سلوكاً استهلاكياً، وحتى على صعيد الدولة التي رفعت إنفاقها على برامج الرفاه الاجتماعي عانت فيما بعد من صعوبة التراجع بعد انحسار المداخيل الاستثنائية.

وقبل ذلك في القرن السادس عشر، شهدت إسبانيا ظاهرة مماثلة عندما تدفقت عليها الثروات الطبيعية من أميركا، وهو الوقت الذي قال فيه الكاتب ميغيل دي ثيربانتس سابيدرا، مؤلف رواية «دون كيشوت» الشهيرة: «أهمية الثروة ليس في مجرد امتلاكها أو الإنفاق منها، وإنما في طريقة الاستفادة منها». وسبقتهما أستراليا في تجربة هذه الظاهرة بعد اكتشاف الذهب في 1850.

كان «المرض الهولندي» بمثابة الدرس الذي استخدمه الاقتصاديون والسياسيون فيما بعد للدعوة لتطبيق ممارسات أكثر حكمة في التعامل مع الثروات الكبيرة المفاجئة، فظهر مفهوم ما يسمّى بـ «التأثيرات الضارة للارتفاع الكبير في الدخل»، وأصبح لا يغيب عن البال أن «الثروات يجب أن تستخدم في تنويع مصادر الدخل وإلا فإن المرض الهولندي قد يكون قاتلاً».

في حديث مع صديق وهو استراتيجي معروف، قسّم التفكير الإنساني في التعامل مع الأزمات إلى ثلاثة أنواع، الأول هو التعامل برد الفعل على الأزمات أي العيش باطمئنان «يوم بيوم» حتى حدوث الأزمات ومن ثم التعامل معها بما يتوافر من أدوات وموارد متاحة، وغالباً ما يكون التعامل مع هذه الأزمات بطريقة عشوائية وتخبّط، مما يعرّض القائمين عليها لارتباك في اتخاذ القرارات التي قد تكون كلفتها عالية، وخارج التوقعات على أصعدة مختلفة. والثاني هو الاعتماد على نمطية وقوع الأزمات كحدوثها وفق دورة زمنية معينة بناءً على تجارب سابقة، وبالتالي وتوقعها وانتظارها بالحلول. أما نمط التفكير الثالث فهو ما يعرف بالتفكير الهيكلي ويتشكّل بناءً على تجارب التعرض للأزمات ذاتياً أو الآخرين، فلا تتم معالجة الأزمات فحسب وإنما يبحث في الأسباب، ويستعد بما يحول دون وقوعها في المستقبل.

يذكرني الاستعداد للأزمات بمثال ساقه أحد الزملاء في مقاله ذات يوم، عن الفلاح الذي كان نائماً بينما الريح تصفر وتقتلع الشجر في الخارج مما أغضب صاحب الأرض، لكن الفلاح طمأنه بأنه قد عرف بخبرته في أحوال الطقس عن توقيت حدوث العاصفة، فاستعد لها بوضع المحاصيل والأدوات في مكان آمن، وثبت الضعيف من الأشجار ريثما تمر العاصفة فاطمأن ونام «في عين العاصفة» بينما كان الآخرون مرتبكين في التعامل مع ما جلبته تلك العاصفة من دمار لم يكونوا على استعداد لها.

وعلى رغم أكوام التجارب الذاتية والخارجية للتعرض للأزمات بأنواعها وتأثيراتها قصيرة وطويلة المدى، والتي تتجمع أمامنا إلا أننا مازلنا نراوح عند نمط التفكير الأول وهو التعامل العشوائي مع الأزمات، ولذلك فمهما بلغت درجات الاستقرار في أوقات الرخاء يظل التخوف موجوداً من غياب الاستعداد للأزمات النمطية كما يحدث حالياً، ناهيك عن الأزمات المفاجئة والخارجة عن الحسابات.

يقول الخبير الإستراتيجي إنه كلما ارتقى تفكير الإنسان كلما ذهب أعمق في أسباب الأزمات التي يتعرض لها، وعكف على وضع الحلول الإبداعية لحلها، وفي الوقت نفسه لتجنب تعرضه لها في المستقبل، فلا يتعامل مع الأزمة بشكلها الظاهر وإنما بمسببات حدوثها. ولا يسمح بالحلول العشوائية وإنما يكون جاهزاً بالحلول المتناغمة مع مسببات الأزمات، كما يعرّفها وهذا من شأنه أن يوفّر الكثير من التكاليف المادية والمعنوية غير المحسوب حسابها. وضرب مثالاً على ذلك الدول الاسكندنافية التي تنعم بدرجات عالية من الاستقرار والأمان الاقتصادي تنعكس على كل جوانب الحياة فيها.

قد يبدو صعباً على الدول كما هو صعب على أي فرد أن يضبط اندفاعه في استخدام الثروة في تعديل حياته إلى الأفضل، وهو أمر ليس غريباً، فالثروات في التعامل البسيط معها وُجدت من أجل أن تنتقل بها جودة الحياة إلى مستويات أفضل، لكنها متى ما أصبحت الثروة وطنية أو قومية، كبرت مسئولية أمانتها في الأعناق، وأصبح استغلالها الاستغلال الأمثل وإطالة عمرها واجباً وليس خياراً.

إن ما نمر به على الأرض التي تفجرت فيها كنوز النفط قبل عشرات السنين ليس مفاجئاً، بعد كل دورات الانخفاض والارتفاع التي مررنا بها. وعلى رغم القفزات التي مرت بها معدلات الإنفاق عالياً من أجل التنمية، وتولّدت لديها أنماط استهلاكية لا يمكن أن تستمر دون وقود النفط، لكننا لم ننتقل حتى لنمط التفكير الثاني، وظل التخوف من المرض الهولندي رابضاً في وعي أو ربما لا وعي السياسيين والاقتصاديين، ولذلك نسمع في كل ما يعلن من الخطط إشارة إلى ضرورة عدم الاعتماد على النفط، وتنويع مصادر الدخل. ومع ذلك قلة ممن وُهبت لهم هذه الثروة وضعوا لأنفسهم خططا استراتيجية، وهم الآن، والجميع يتخبط في حلوله العشوائية يحصدون، وتحصد شعوبهم المحظوظة بهم ثمار الالتزام بهذه الخطط.

المرض الهولندي
صحيفة الوسط البحرينية – نشر بتاريخ 16-03-2016 – العدد: 4939
في العام 1977، أطلقت مجلة «الإيكونومست» مسمّى «المرض الهولندي»، على الظاهرة التي أصابت الاقتصاد الهولندي بسبب سوء الإدارة للثروة المفاجئة التي تدفقت عليه بعد اكتشاف حقول ضخمة من الغاز الطبيعي في بحر الشمال في مطلع ستينيات القرن الماضي. وكان الاقتصاد الهولندي قد شهد ازدهاراً كبيراً بعد اكتشاف تلك الحقول مما ولّد ثروة ضخمة من التدفقات الخارجية إلى الداخل والتي أدت بدورها إلى ارتفاع قيمة الجلدر الهولندي فارتفعت أسعار الصادرات من القطاعات غير النفطية، أو الصناعات التحويلية بشكل خاص، وانخفضت تنافسيتها فأصبح الاعتماد الأساس على مداخيل الثروة الجديدة. كما ولّد الارتفاع الكبير والمفاجئ في الدخل سلوكاً استهلاكياً، وحتى على صعيد الدولة التي رفعت إنفاقها على برامج الرفاه الاجتماعي عانت فيما بعد من صعوبة التراجع بعد انحسار المداخيل الاستثنائية.

وقبل ذلك في القرن السادس عشر، شهدت إسبانيا ظاهرة مماثلة عندما تدفقت عليها الثروات الطبيعية من أميركا، وهو الوقت الذي قال فيه الكاتب ميغيل دي ثيربانتس سابيدرا، مؤلف رواية «دون كيشوت» الشهيرة: «أهمية الثروة ليس في مجرد امتلاكها أو الإنفاق منها، وإنما في طريقة الاستفادة منها». وسبقتهما أستراليا في تجربة هذه الظاهرة بعد اكتشاف الذهب في 1850.

كان «المرض الهولندي» بمثابة الدرس الذي استخدمه الاقتصاديون والسياسيون فيما بعد للدعوة لتطبيق ممارسات أكثر حكمة في التعامل مع الثروات الكبيرة المفاجئة، فظهر مفهوم ما يسمّى بـ «التأثيرات الضارة للارتفاع الكبير في الدخل»، وأصبح لا يغيب عن البال أن «الثروات يجب أن تستخدم في تنويع مصادر الدخل وإلا فإن المرض الهولندي قد يكون قاتلاً».

في حديث مع صديق وهو استراتيجي معروف، قسّم التفكير الإنساني في التعامل مع الأزمات إلى ثلاثة أنواع، الأول هو التعامل برد الفعل على الأزمات أي العيش باطمئنان «يوم بيوم» حتى حدوث الأزمات ومن ثم التعامل معها بما يتوافر من أدوات وموارد متاحة، وغالباً ما يكون التعامل مع هذه الأزمات بطريقة عشوائية وتخبّط، مما يعرّض القائمين عليها لارتباك في اتخاذ القرارات التي قد تكون كلفتها عالية، وخارج التوقعات على أصعدة مختلفة. والثاني هو الاعتماد على نمطية وقوع الأزمات كحدوثها وفق دورة زمنية معينة بناءً على تجارب سابقة، وبالتالي وتوقعها وانتظارها بالحلول. أما نمط التفكير الثالث فهو ما يعرف بالتفكير الهيكلي ويتشكّل بناءً على تجارب التعرض للأزمات ذاتياً أو الآخرين، فلا تتم معالجة الأزمات فحسب وإنما يبحث في الأسباب، ويستعد بما يحول دون وقوعها في المستقبل.

يذكرني الاستعداد للأزمات بمثال ساقه أحد الزملاء في مقاله ذات يوم، عن الفلاح الذي كان نائماً بينما الريح تصفر وتقتلع الشجر في الخارج مما أغضب صاحب الأرض، لكن الفلاح طمأنه بأنه قد عرف بخبرته في أحوال الطقس عن توقيت حدوث العاصفة، فاستعد لها بوضع المحاصيل والأدوات في مكان آمن، وثبت الضعيف من الأشجار ريثما تمر العاصفة فاطمأن ونام «في عين العاصفة» بينما كان الآخرون مرتبكين في التعامل مع ما جلبته تلك العاصفة من دمار لم يكونوا على استعداد لها.

وعلى رغم أكوام التجارب الذاتية والخارجية للتعرض للأزمات بأنواعها وتأثيراتها قصيرة وطويلة المدى، والتي تتجمع أمامنا إلا أننا مازلنا نراوح عند نمط التفكير الأول وهو التعامل العشوائي مع الأزمات، ولذلك فمهما بلغت درجات الاستقرار في أوقات الرخاء يظل التخوف موجوداً من غياب الاستعداد للأزمات النمطية كما يحدث حالياً، ناهيك عن الأزمات المفاجئة والخارجة عن الحسابات.

يقول الخبير الإستراتيجي إنه كلما ارتقى تفكير الإنسان كلما ذهب أعمق في أسباب الأزمات التي يتعرض لها، وعكف على وضع الحلول الإبداعية لحلها، وفي الوقت نفسه لتجنب تعرضه لها في المستقبل، فلا يتعامل مع الأزمة بشكلها الظاهر وإنما بمسببات حدوثها. ولا يسمح بالحلول العشوائية وإنما يكون جاهزاً بالحلول المتناغمة مع مسببات الأزمات، كما يعرّفها وهذا من شأنه أن يوفّر الكثير من التكاليف المادية والمعنوية غير المحسوب حسابها. وضرب مثالاً على ذلك الدول الاسكندنافية التي تنعم بدرجات عالية من الاستقرار والأمان الاقتصادي تنعكس على كل جوانب الحياة فيها.

قد يبدو صعباً على الدول كما هو صعب على أي فرد أن يضبط اندفاعه في استخدام الثروة في تعديل حياته إلى الأفضل، وهو أمر ليس غريباً، فالثروات في التعامل البسيط معها وُجدت من أجل أن تنتقل بها جودة الحياة إلى مستويات أفضل، لكنها متى ما أصبحت الثروة وطنية أو قومية، كبرت مسئولية أمانتها في الأعناق، وأصبح استغلالها الاستغلال الأمثل وإطالة عمرها واجباً وليس خياراً.

إن ما نمر به على الأرض التي تفجرت فيها كنوز النفط قبل عشرات السنين ليس مفاجئاً، بعد كل دورات الانخفاض والارتفاع التي مررنا بها. وعلى رغم القفزات التي مرت بها معدلات الإنفاق عالياً من أجل التنمية، وتولّدت لديها أنماط استهلاكية لا يمكن أن تستمر دون وقود النفط، لكننا لم ننتقل حتى لنمط التفكير الثاني، وظل التخوف من المرض الهولندي رابضاً في وعي أو ربما لا وعي السياسيين والاقتصاديين، ولذلك نسمع في كل ما يعلن من الخطط إشارة إلى ضرورة عدم الاعتماد على النفط، وتنويع مصادر الدخل. ومع ذلك قلة ممن وُهبت لهم هذه الثروة وضعوا لأنفسهم خططا استراتيجية، وهم الآن، والجميع يتخبط في حلوله العشوائية يحصدون، وتحصد شعوبهم المحظوظة بهم ثمار الالتزام بهذه الخطط.

صحيفة الوسط البحرينية – نشر بتاريخ 16-03-2016 – العدد: 4939

http://www.alwasatnews.com/news/1090986.html

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s