العجينة الذكية

قبل أكثر من عشرين عاماً، كان طفلي البالغ من العمر خمسة أعوام يرفض أحياناً السير على الخط في الطابور أو الجلوس عليه في صفه، فعلّقت مدرسته العربية بأنه «غير مطيع ويحتاج أن يتعلم الانضباط» أما مدرسته الأجنبية، وهي أميركية هندية، الأصل فقالت إن طفلي كان «يظهر استقلالية في التفكير والسلوك وإنه سألها ماذا سيحدث لو لم نجلس أو نسير جميعنا على خط واحد مستقيم».

لم تختلف المعلمتان في تقييم استيعاب طفلي للمنهج التعليمي لكنهما اختلفتا اختلافاً أساسياً في تقييم سلوكه المعاكس للتيار والتعامل معه فالأمر كان تربوياً أكثر منه علمياً.

كبر طفلي وكبر معه السؤال عن ماذا لو فعلت؟ وماذا لو لم أفعل؟ وأصبحنا نسمع تعليقات إيجابية وسلبية عن السلوك نفسه كلما ذهبنا إلى اليوم المفتوح، وحيث إنه كان الطفل الأول وحقل تجاربنا، فلم نكن متأكدين تماماً أي التعليقات نختار لننطلق منها في التعامل معه، لكنني وبحسب ما رُبيت عليه، كنت أتمنى لو كان مطيعاً ليجنبنا اتصالات الشكاوى من المدرسة.

التربية بدون شك تأتي قبل التعليم في اهتمام المؤسسات التعليمية. ودولنا العربية أكّدت على ذلك في الاسم الذي تحمله الوزارات والهيئات المعنية بشئون التعليم فغالبيتها حرصت على أن تسبق كلمة التربية، التعليم.

في البحرين التي كانت سبّاقة لتأسيس أوّل مدرسة نظامية في 1919، غيّرت اسم مجلس المعارف الذي تأسس في 1956، إلى وزارة التربية والتعليم في أول تشكيل وزاري بعد الاستقلال في 1971. لكن أيّ «التربية» التي يعنيها القائمون على التعليم!

تتشابه ذكرياتنا عن مدارسنا الابتدائية في السبعينات عندما كان اليوم المدرسي يبدأ بفقرة التربية في طوابير الصباح حيث تتفقد المعلمات الطالبات من حيث ترتيب الهندام والنظافة وتكون مستعدة بـ «المسطرة الصفراء» المغروس على جنبها قطعة معدنية، وأي إخلال بقواعد النظافة والترتيب تستحق الطالبة عنه الضرب بالجزء الحاد من المسطرة، كما تستخدم المسطرة ذاتها بعد الدخول إلى الفصول كلما أخلّت الطالبات في ترتيب دفترها أو أخطأت في الإجابات، أما الجدل في العلم حينها أو كثرة السؤال فله عقابه الشفهي الجارح القريب في الأذى من الضرب بالمسطرة الصفراء وقد يكون أشد من ذلك. كانت التربية حينها ترتبط أيضاً ارتباطاً وثيقاً بالأدب وهو مرادف لطاعة الأهل في المنزل وللمعلمات في المدرسة.

وفي حين يُعرّف التعليم بأنه عملية محو الأمية وتسليح الفرد بالعلوم والمعارف التي تعتبر المحرك الأساس في تطوره والمجتمع بشكل عام إذ يقاس نماء المجتمع بنسبة المتعلمين فيه، فإن التعريف اللغوي للفظة التربية هو «إنشاء الشيء حد التمام» وقيل أيضاً «إن من ربّى الولد فقد تعهّده بما يغذّيه وينميه ويؤدبه». أما معنى التربية المحافظ الذي تناقلته الثقافات المختلفة عبر العصور فهو تربية الناشئة على ما كان عليه الراشدون إذ يقوم المجتمع بنقل تراثه ومعارفه فيما بين الأجيال من أجل المحافظة على بقائه وتجدده ونموه.

ومن بين التعريفات التي جُمعت تحت معنى التربية من مختلف المصادر، تعريف الفيلسوف الألماني جون هيربارت الذي عاش بين القرنين الثامن عشر والتاسع عشر بأن التربية هي «علم يهدف إلى تكوين الفرد من أجل ذاته وتوقظ فيه ميوله»، وبعده رأى عالم النفس الفرنسي ديفيد دورخيم أن «التربية هي تكوين الفرد تكويناً اجتماعيا».

وتطورت مفاهيم التربية فأصبحت تعنى بالنمو الذاتي للطفل بما يحقق له وحدة شخصية متناسقة، فيما تهدف التربية في معناها التقدمي، إلى جعل حياة الطفل غنية وزاخرة بالجديد والمتنوع وأيضاً بمشاكل الحياة العامة وتربيته على طريقة حلها.

بين معنى التربية المحافظ والمتقدم أصبح التركيز على الفرد وتنمية تفرّده في القدرات والمواهب وتدريبه على تقديم نفسه وما لديه بثقة أمام الآخرين من أهم أولويات المربّي سواء في البيت أو في المدرسة، فظل مفهوم التعليم نفسه مع تغيّر مكوناته تبعاً للتطورات التي تشهدها العلوم والمعارف والآداب، بينما تطورت مفاهيم التربية تماشياً مع تطورات العلوم الاجتماعية والنفسية، وازدادت أهمية التربية لكونها العنصر الأهم والمتحكم الرئيس في نجاح العملية التعليمية وتوصيل العلوم لأبنائنا لتطويرهم كأفراد فاعلين وناجحين ليس في مجتمعاتهم الصغيرة فحسب وإنما عالمياً. وهذا لا يلغي الاهتمام بالمحافظة على السلوك الحسن وآداب التصرف، فما يتعلمه الفرد في مراحله المبكرة يُبنى في تكوينه لمراحل حياته التالية.

في جلسة عن المهارات القيادية، ضمّت شابات وشباب ممن هم دون الثلاثين عاماً، أي أنهم وُلدوا بعد 15 عاماً على أقل تقدير من إنشاء وزارة التربية والتعليم، أوضحت نقاشاتهم الفجوة الواضحة بين منهج وزارة التربية والتعليم في التربية (بدون التعليم) وبين ما ينبغي أن يكون عليه هذا الجيل المنفتح على كل العالم، عندما جاء الأمر لمدى فهمهم وتطبيقهم للتواصل وللتفكير النقدي وغيرها من مهارات التعلم الحديثة.

أستاذ جامعي طرح في مطلع الألفية الجديدة في سياق شعار الإصلاحات الذي رُفع حينها، فكرة «العجينة الذكية» للتعليم، أي تبني مناهج للتربية قبل التعليم قادرة على خلق جيل قابل للتشكل وفق الاختلافات فيما بين أفراده وقادر على استيعاب التطورات في العالم حوله للاستفادة منها فالاستثمار في المناهج التعليمية مهم بدون شك ليساير أبناؤنا نظراءهم في العالم، لكن هذه المناهج لن تجد طريقها إلى عقول أبنائنا إذا لم يواكبها استثمار مشابه في مناهج التربية والركن الأساس فيها هو تربية الفكر النقدي – وليس الانتقادي – فمنه تتولّد شرارة الإبداع، وتربية الأفراد على فهم أنفسهم وقدراتهم للتعبير عنها بحرّية ودون خوف لبناء جيل متمكن يليق بالسبق الذي كان عليه أسلافهم في التعليم، وليكونوا ثروة بشرية حقيقية واعية ومتمكنة تستغني بهم البلد عن من يقودهم من «الخبراء الأجانب» للتنمية ولأمور الحياة الأخرى.

صحيفة الوسط البحرينية – نشر بتاريخ 11-11-2015 – العدد: 4813

http://www.alwasatnews.com/news/1044610.html

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s