هالات الفخر

جاء خبر فوز رباعي الحوار الوطني في تونس بجائزة نوبل للسلام؛ لمساهمته الحاسمة في بناء دولة ديمقراطية تعددية في تونس في أعقاب ثورة الياسمين العام 2011، ليفتح ضوء أمل باهر لا يُخطَأ بأن الفرصة لاتزال مختبئة في مكان مَّا في مساحات الخلاف المترامية التي خلَّفتها الخيبات متعددة الأشكال والأسباب، التي تتالت على بلداننا العربية.

هذه البلدان، وعلى رغم أنها حملت رغبة عارمة وحقيقية في الإصلاح والتغيير في كفٍّ، إلا أنها تفنَّنت في حمل ما يكفي من الأسباب والذرائع لإفشال وإعاقة هذه الرغبات من التحقق في الكفِّ الأخرى.

مرَّ زمنٌ طويلٌ، وأحداث مريرة كثيرة، قبل أن يكتسح الفضاءَ العربيَّ فخرٌ مُشبِعٌ مثل هذا الذي فعله فيه الفوز التونسي بالجائزة العالمية، الأمر الذي دعاني إلى استكمال فكرة الشعور بالفخر التي تناولها مقال الأسبوع الماضي (الفخر… ذلك الطعم اللذيذ في فمي).

فما أن يُفتح الملفُّ العربيُّ والإسلاميُّ في أية قناة أو محطة تلفزيون أم راديو، حتى تتالى أخبار الموت والدمار والفرقة والحروب الطائفيَّة التي تحصد المئات يوميّاً من الأرواح، وتدمر استثمارات الأرض والبشر، ما يأخذ دوله ويأخذنا في كل يوم سنين إلى الوراء، وعميقاً إلى الأسفل، فلا نجرؤ حتى على الظن بأن لنا قيامة من غياهب هذا اليأس.

فوز تونس أخرجنا من حالة اللافخر المحلية التي بدأت، كما ذكر المقال السابق، تزحف تدريجيّاً على إقبالنا على الحياة، وتنال من كرامتنا، وبنى حولنا هالات متعددة من الفخر التي تجاوزت بنا حدود الوطن الأصغر إلى وطننا الإقليمي الأوسع، فأخذنا من الانكفاء على أنفسنا في دوامة اللافخر في الداخل ومنحنا الشعور بالامتلاء وبأننا نملك وجهاً جميلاً نستطيع أن نواجه به العالم. سعادتنا كانت بالشعور أننا كـ «عرب» و»مسلمين» خرجنا من حدودنا الديموغرافية والجغرافية في دولنا الفردية، واعتبرنا أننا، في تونس، تغلّبنا على مغريات التوحّد بالسلطة الذي كان من الممكن أن يأخذ البلاد إلى حرب أهلية مدمرة، واتخذنا الحوار سبيلاً ومخرجاً.

تونس قادت، باقتدار السلوك الديمقراطي العربي، واتخذت الحوار طريقاً إلى مستقبل مستقر ومستعد للنمو سايرت به ركب التقدم في العالم. فاللجنة الرباعية تشكلت في صيف 2013 بعد أن تدهورت الحالة السياسية والأمنية في تونس، وانتشار الاضطرابات الاجتماعية والاغتيالات السياسية على نطاق واسع، فكان لها دور فعَّال في وقف هذا المنحنى الخطير للغاية الذي كان من المؤكد أن ينتهي بعواقب خطيرة.

تونس حققت لكل الدول العربية ذات الشعوب البائسة التي تبعتها في انتفاضتها على ظلم بن علي، ما فشلت هذه الدول وشعوبها وممثلو أطراف الحوار فيها، في الوصول إليه. إن كانت الشعوب العربية تجاوزت خيباتها المحلية وفشلها أمام نفسها، وأطلقت لنفسها العنان للاتحاد في الشعور بالفخر من فوز تونس فما هو يا ترى شعور الدول التي خيّبت شعوبها، وأثبتت بالتجربة أنها لم تتمكن من خلق شعب تفخر به طيلة هذه السنين، وتأمن له أن يجتاز بها ما تمر به من مصاعب إلى بر الأمان!

في مصر علّق حقوقيون على فشل المجتمع المدني في قيادة حوار فعال كنظيره في تونس بإرجاع الأمر إلى اختلاف المناخ السياسي بين مصر وتونس، وإلى الهجوم وحملات التشويه والملاحقات التي تعرضت لها منظمات المجتمع المدني المصرية، وخاصة الحقوقية منها قبل وبعد ثورة 25 يناير، والتي كان لها أثر بالغ في تراجع دور المجتمع المدني والمنظمات الحقوقية في مصر، وهو ما دفع بعضهم إلى التوقف عن العمل من الأساس، فيما البعض أرجع الأمر إلى تفاوت النظام التعليمي لصالح تونس (صحيفة اليوم السابع المصرية عدد 9 أكتوبر 2015).

وعلى رغم أن الإنسان لا يتعلّم إلا من دروسه الشخصية، فإن حجم الخسارة المادية والبشرية والثقافية التي صاحبت انتفاضات الربيع تفرض ضرورة الاستفادة من درس تونس ببناء المواطن وتسليحه بالوطنية والفخر والانتماء، لتكون هذه هي مكوناته ومعطياته الأساسية ومسئوليته أيضاً في أي ظرف وأي زمان ومكان. ولو توافر لنا ما نفاخر به، وصار للجميع ما يفخرون به، من دون طنطنات ذاهبة إلى أشخاص وأنظمة بعينها، لأمنّا على أوطاننا ممن يريد بها السوء، سواء من الداخل أو من الخارج، إذ سنكون جميعاً في سباق لنكون بنيان هذا السور، وأكياس رمل في متاريس الوطن.

صحيفة الوسط البحرينية – نشر بتاريخ 14-10-2015 – العدد: 4785

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s