حج القلب

أحد الأصدقاء قال لي عندما علم أنني نويت أداء الحج هذا العام: «البعض يزداد تديناً بعد عودته من الحج، بينما يعود البعض كافراً». هذا الصديق، وهو من ذوي الدين المعتدل والقيم الإنسانية العالية، تصادف أيضا أنه كان على نية أداء الحج، ولم يخف سراً أن هذه الرحلة هي من أجل وضع إشارة «تم» على «البند» المتبقي من «القائمة الدينية» المتوقعة منه كمسلم، ولذلك فهو يترك استشعاره لمناسك الحج مفتوحاً على كل الاتجاهات.

لم يكن صعباً فهم ما يقصده هذا الصديق، ولم يكن ما قاله بعيداً عن مخاوفي المفتوحة أيضا على كل التوقعات، في ظل ما نسمعه من العائدين من هذه الرحلة الدينية بأنها رحلة مكتظة بالمناسك المنهكة بدنياً، ليس لأنها شاقة وإنما لصعوبة أدائها والتنقل بين مواقعها، في ظل ازدحام الحجاج الآتين من كل بقاع العالم، بخلفيات وثقافات ولغات مختلفة، لأداء المناسك نفسها في وقت واحد، بالإضافة إلى الكثير من الممارسات المسيئة للإسلام والمسلمين، التي يمارسها الحجاج بجهل او بعلم منهم.

إحدى الصديقات، والتي سبقتني لأداء الحج منذ سنوات، حذرتني من السؤال والجدل في معاني المناسك «التي قد تبدو في بعضها مُرهقة وغير ذات معنى»، ونصحتني «بما أنني سأكون ضمن حملة تقوم على تنظيم كافة خطوات هذه الرحلة، وعليّ أن أسلّم قيادي لها، فليس هذا هو وقت السؤال والتساؤل عن منطقية الأشياء التي يحج لها المسلمون منذ أكثر 1400 عام». فيما حاجّة أخرى سخرت من تطلعاتي لاعتبار هذه الرحلة التي أعددت لها طويلاً منذ أن استقر قراري على الذهاب هذا العام، رحلة تأمل في المكان الذي أنزل فيه هذا الدين، والذي يتحمل الملايين من أتباعه مشقة حقيقية، وتكاليف مالية قد يدخرون لها سنوات طويلة ليحجوا إليه مرة واحدة في العمر، فيما لا تتمكن بعض الدول من تغطية حصة الحجاج الممنوحة لها بسبب عدم قدرة مسلميها على تحمل تكاليف الحج.

كل المخاوف والتحذيرات والتوقعات رفعت من حماسي لأداء الركن الخامس المفروض على «من استطاع اليه سبيلاً» من المسلمين والممزوج بشوق أحمله للمكان الذي خبرت متعة التأمل فيه من رحلات العمرة السابقة.

يتداول الناوون أداء الحج قوائم مستلزمات الإعداد لأداء فريضة الحج من: ملابس وأحذية مريحة ومستحضرات خالية من العطر وأدوية ولقاحات لابد من أخذها لتجنب الإصابة بـ «أمراض الحج» العابرة للقارات، لكن ليس من بينها الإعداد الإيماني والمعلوماتي للبرنامج الطويل، والمكثف لهذه الرحلة. كما لا تتضمن القائمة، جلسة تأملية مع النفس لتعريف المطلوب أن تحققه هذا الرحلة الدينية الفريدة في العمر.

في جلسة ختامية في آخر أمسية من أيام الحج، ضمت نحو 30 حاجّة من مختلف الأعمار (تتراوح ما بين العشرين والسبعين)، ضمن الحملة التي نظمت لرحلة الحج والتي كنت ضمن أفرادها، تحدثت الحاجات عن توقعاتهن وما أردن تحقيقه من هذه الرحلة، وما تحقق فعلا بعد الانتهاء من أداء كافة المناسك. الكثيرات اعتبرن هذه الرحلة بداية جديدة بعد التطهر من الذنوب المتعمدة وغير المتعمدة والاستفادة من هذه الفرصة العظيمة التي يعود منها الإنسان خالياً من الذنوب «كما ولدته أمه». والبعض اعتبرها طاعة للخالق يحرص على أدائها كلما تسنى له ذلك؛ تعبيراً عن الشكر على النعم وتقرّباً، ولإعادة النفس إلى الصراط كلما جرفتها أمور الحياة بعيداً عن الإعداد للآخرة. الصغيرات في العمر، وغالبيتهن ينتمين لعائلات متدينة ومن حفظة القرآن، جئن في هذه السن الصغيرة لأداء الحج (الفريضة) على المسلمين وبنية المجيء مستقبلا.

البعض جاء بنية التعرف على فلسفة الركن الخامس من أركان الإسلام الذي يحمل في كل خطوة منه تركيزاً على القيم الدينية والإنسانية التي هي أصل الدين. هؤلاء هم من تخوف الصديق من صدمتهم مما قد يروه في أثناء رحلة الحج الذي يقف الجميع فيها على اختلاف ألوانهم وأعراقهم ولغاتهم ورائحة أجسادهم وأرصدة مدخراتهم المالية، سواسية بين يدي رب واحد… القلوب هي ما يميز كل فرد عن الآخر كما في الحديث الشريف «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم».

الحج هو تجربة المسلم الفريدة التي لا يجب أن يقدم عليها قبل أن يكون مستعداً بقلبه. كثيرون يكررون أداء فريضة الحج لسبب أنهم لم يستشعروا إحساسا عند أداء مناسكه، برغم التفرغ التام وبنية صادقة على مدى أيام الحج لأداء كافة العبادات والأعمال ولا يتوقفون عن الدعاء والتسبيح. الحج الذي فرض على من يستطيع إليه سبيلا، ليست الاستطاعة المادية فقط، وأنما لمن يستطيع أن يتجرّد ويتنازل من كل ما يميّزه كإنسان أفضل بالمقاييس الدنيوية ويرى نفسه مساويّا لكل من يقف بجانبه متغاضياً عن كل الاختلافات التي تباعدهم في الحياة.

إحدى الحاجّات المسنّات نصحت أن يتم حث الشباب على أداء فريضة الحج عندما يكون الجسم شابا، قوياً ومستعداً، وهي محقة فيما قالته؛ لكون الكثير من المناسك تحتاج لاستعداد جسماني لائق، للسير مسافات طويلة. لكن الأهم من ذلك أن تكون القلوب مستعدة، وخصوصاً في هذا الوقت الذي يشهد أسوأ الأحوال والفتن في تاريخ المسلمين. فالله في القلب والحج هو حج القلب إلى حيث الله.

وليس أكثر تعبيرا عن ذلك من قول جلال الدين الرومي: «بينما ينهمك العقل في البحث عن ناقة لرحلة الحج يكون القلب قد طاف حول الكعبة».

صحيفة الوسط البحرينية – نشر بتاريخ 30-09-2015 – العدد: 4771

http://www.alwasatnews.com/news/1030390.html

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s