هوشي منه

لم تمنع درجة الحرارة التي يؤشر مقياسها إلى 38 درجة مئوية من اصطفاف المئات في طابور طويل لزيارة ضريح الزعيم الفيتنامي هوشي منه في العاصمة هانوي شمال فيتنام.

يسير كل اثنين من الزوار في صف واحد، فيما يتغيّر شكل خط الطابور إلى زوايا قائمة في عدة منعطفات منه، ما يتيح مشاهدة زوايا مختلفة من المكان. تتصاعد الرهبة مع الاقتراب من الضريح والرغبة في مشاهدة جثمان الرجل الذي قاد بلاده من مواقع متعددة على مدى خمسين عاماً، مسكوناً بحلم الحرية من المستعمر الأجنبي، من بينها 15 عاماً أصبح فيها رئيساً لفيتنام بعد تحريرها من الفرنسيين في 1954، لتصبح بعد فترة قصيرة مسرحاً لصراع منهاجي الشيوعية التي اعتنق هوشي منه فكرها يدعمه السوفيات والصينيون في ذلك الوقت، والرأسمالية التي دفعت أميركا إلى دعم الجنوب الفيتنامي خوفاً من المد الشيوعي الذي كان سيكتسح الهند الصينية في ذلك الوقت.

يرفض الفيتناميون أن يوصف هوشي منه بأنه قائد شيوعي «خالص»، ويرون أنه قائد وطني كان يبحث في رحلته «الوطنية» عن منهاج خاص مفصّل وفق رؤية أساسها التخلص من الاستعمار والنهوض بفيتنام، فتبنّى الشيوعية في النظام السياسي، وترك الاقتصاد مفتوحاً، فيما يشبه «الشيوعية الليبرالية» أو «الشيوعية التجارية» كما أسماها أحد الفيتناميين في حديث عن قائده.

ويذكر التاريخ، الذي كُتب، بالطبع، من زوايا ووجهات نظر متعددة، لهوشي منه ما يدعم ذلك بأنه وإن اعتنق الفكر الشيوعي منذ العام 1919 ووجد فيه خيط البداية للتخلص من الاستعمار، إلا أنه بعث في خطٍ مواز، بخطابات لعددٍ من الدول الغربية ومن بينها أميركا، مستكشفاً فرص الدعم في قضيته، لكنه لم يحصل على رد، ولذلك تشكّل طريق «النضال» بروح شيوعية.

يكفي السير في طابور الانتظار الطويل والسريع في آن، مع فيتنامي، يدعى توني، شديد الوطنية شديد الفخر، على رغم ثقافته الغربية، لمعرفة الكثير عن ثقافة هذا البلد القائمة على فلسفة الصبر والشجاعة والقناعة المأخوذة من التعاليم الكونفشيوسية التي كانت أساس التدريس في معبد الآداب (Temple of Literature)، الذي أنشئ كأول جامعة قبل أكثر من ألف عام في هانوي.

بأدب شديد، ومن دون كلمات، يُذكّر أشخاص واقفين على مسافات متباعدة على حافة الطابور، بإشارات لطيفة، بالتزام الهدوء، وخلع القبعات والنظارات الشمسية. بزّات هؤلاء وقبعاتهم توحي للوهلة الأولى أنها عسكرية، لكن لونها الأبيض كان يعني أنهم متواجدون للحرص على هيبة الضريح، ليس كمعلم سياحي مصمت وإنّما هو رمزٌ لتاريخ حي ولقائد «عظيم» هو جزء من هذا التاريخ، مسجى في الداخل.

السواح ممن يحملون ملامح مختلفة عن الفيتناميين قليلون في المكان، فغالبية الزوار للضريح هم من الفيتناميين الذين يأتون من مختلف مناطق فيتنام بما فيها الجنوب التي حارب هوشي منه عاصمتها سايغون -هوشي منه حالياً- بشراسة في حربه ضد الأميركان. من بين الزوار كان أيضاً مجموعة من أطفال في عمر الروضة يتراصون لالتقاط صورة جماعية لهم مع مدرّسيهم أمام الضريح.

الزائر لفيتنام سيرى هوشي منه حاضراً دائماً في حياة الفيتناميين كقائد لفيتنام الجديدة رغم وفاته في 1969، قبل هزيمة الأميركان بأكثر من أربع سنوات. ولذلك، وعلى عكس رغبته، لم يحرق جثمانه ويلقى رماده في النهر، كما أوصى، بل تم تحنيط جثته وحُفظت ليفتح كل زائر لضريحه صفحات تاريخ فيتنام كما أُريد له أن يكون.

التاريخ بالتأكيد لا يصنعه شخص واحد، وما هوشي منه، أو «الروح المشرقة» كما يعني هذا الاسم باللغة الفيتنامية، والذي اكتسبه خلال رحلة «نضاله» وهو الرجل الفقير الذي بدأ حياته طبّاخاً وخادماً، ولم يغادر على المستوى الشخصي، العيش المتواضع كما يُرى من أماكن سكنه طيلة حياته، إلا رمز يحرص الفيتناميون على إبقائه «مشرقاً»، ومذكّراً بقيادته لبلدٍ رزح تحت الاستعمار نحو مئة عام، وعانى من ويلات حروب مدمّرة على مدى خمسة عقود، لكنه أراد الحياة، فكتب تاريخ حلمه الذي تحقق بدماء أكثر من ثلاثة ملايين من أبنائه.

صحيفة الوسط البحرينية – نشر بتاريخ 29-07-2015 – العدد: 4708

http://www.alwasatnews.com/news/1011959.html

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s