غرفة أوسع من الكون

على رغم رمزية الصلاة الموحّدة التي نالت نصف الاهتمام العام خلال الأسبوع الماضي، إلا أنها لم تنجُ من الرافضين والساخرين والمستهزئين لأسباب كثيرة، ما بدا منها إما لسبب الدعوة التي اعتبرها البعض شبيهةً ببرنامج علاقات عامة، وإما لسبب الشخصيات التي حضرتها، وإما لسبب «حنبلية» العقيدة التي ترى حتى في رمزية هذه الصلاة، جرحاً لها. البعض دفعه ذلك لابتكار وسم لرأيه الرافض يتواصل به افتراضياً، شبيه بالزيت الذي يُسكب على النار ليُعلّي شعلتها إن كادت أن تخمد.

ولست في مقام الحكم على أي رأي، سواءً في هذه الصلاة ورمزيتها بشكل عام، أو في جواز أدائها من عدمه لمختلفي المذاهب معاً، فلكلٍ خلفيته وأسبابه التي قد لا يراها سواه وقد تكون، له، أمراً لا يمكن تجاوزه.

أما الأمر الآخر الذي استحوذ على الجزء الآخر من الاهتمام العام فهو الخوف من تنفيذ تهديد ابن البحرين «الداعشي» بأن تكون البحرين هي محطة التفجير التالية بعد السعودية والكويت. لم يُنفّذ التهديد، لكنه نجح، أكثر من الصلاة الموَحَّدة، في أن يكون موحِّداً للإحساس بالخوف منه. لم يكن الخوف محصوراً في طائفة أو مذهب أو دين، فالشهوة للدمار قد تذهب في أقصاها إلى ضرب الأماكن الأكثر إيلاماً، لكنها لا تستثني أيضاً الأماكن الحياتية التي يرتادها الناس، كل الناس.

الخوف ليس له مذهب، كما هو الإرهاب ليس له، أيضاً، مذهب. في كتابه «قوة الآن»، يتطرق الكاتب إكهارت تول، إلى قيام البعض بالقتل ببشاعة والتسبب بالألم للآخرين، ويصفهم بأنهم «غارقون في السلبية للدرجة التي يتعهدون بتدمير الأرض والطبيعة التي تؤمِّن وجودهم».

في منتصف الثمانينيات، تشاركنا خمس بنات، مكسيكية، وسويسرية، واثنتان من كولومبيا وأنا، غرفةً في فندق صغير، لمدة خمسة أيام، خلال رحلة طلابية في كيمبردج حيث كنا نتعلم اللغة الإنجليزية. ولم نكن نكف عن مقارنة ثقافاتنا بحثاً عن المشترك، وعندما وصلنا ذات مساء إلى الدين، طلبن أن أشرح لهن ما أفعله كل مساء في زاويتي من طقوس تشبه «الأيروبيكس»، صلاة العشاء، ففعلت بما مكنتني به لغتي الإنجليزية الابتدائية حينئذ، وتجاوبن معي بفهمهن الابتدائي أيضاً. توصّلنا إلى أنه، باستثناء حركة الجسم، فإن ما أقوله في الصلاة يشبه ما يقلنه أيضاً في صلاتهن في الكنيسة أو في البيت أو حتى وهن مستلقيات على السرير قبل النوم. فكلٌّ منا كانت تتعبد وتتواصل مع ربها بطريقتها.

الجميل في الأمر أن زميلات درس اللغة والغرفة المسيحيات والـ «بلا دين»، كن يصمتن وينتظرن بكل احترام أن أنتهي من الصلاة، على رغم أنه لم يتسن لي أن أبادلهن هذا الاحترام، فلم تكن أي منهن تقوم بأي طقوس دينية واضحة خلال فترة إقامتنا معاً.

هذه القصة ببساطتها علقت في ذاكرتي البعيدة، لكنها ألحّت على وأنا أتابع مجريات الأسبوع الماضي، فمنذ ذلك الحين، تعقّدت أمور الدين وتشعّبت طرق العبادة ونما التطرف حتى تغوّل، وصار العيش في كون واحد أضيق من العيش في غرفة كيمبردج التي بالكاد كنا نتحرّك بين أسرّتنا فيها.

الأسبوع الماضي، بمجرياته الجديدة نسبياً على الساحة، يعتبر فرصةً ذهبيةً للمراجعة، ولوضع مرآة أمامنا، أكثر جودةً من مرايانا السابقة، لنرى بوضوح أكثر ما فعلته السنوات الصعبة في ملامحنا، بمعزلٍ عن خلافات عمرها 1400 عام، أنهكتنا، حتى صارت في وارد التندر بها بأن من لازالوا يقفون على طرفيها يستحقون الإحالة إلى مستشفى الأمراض العقلية.

القبول المتردّد للصلاة الموحَّدة والرفض، أيضاً، المتردد يعتبر علامة إيجابية، أما الخوف المشترك فمحل إحساس عفوي إنساني مشترك، ألقى بصيص نورٍ في طريق العودة إلى الإيمان بحتمية العيش والتعايش باحترام مع الآخر المختلف، إن كنا مخلصين في نيّتنا للذهاب إلى الأمام بدلاً من الحفر عميقاً إلى الأسفل.

صحيفة الوسط البحرينية – نشر بتاريخ 08-07-2015 – العدد: 4687

http://www.alwasatnews.com/news/1006510.html

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s