المفتاح الذهبي

احتلت صور الموت والدمار في الكويت وتونس وفرنسا، التي عنونت يوم الجمعة الماضي، جلّ اهتمام وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، وتبارت الرسائل بين الأفراد ومجموعات «الواتس اب» في نقل تطورات الأحداث.

بعضها معلوماتي منقول بمحاولة التجرد، والبعض غاضب مما آلت إليه الأمور والتعليقات فيها تغلفها الخيبة، والقلق والخوف من الآتي الذي تسبقه علاماته، ويكاد البعض يعيد النظر في انتمائه الديني الذي بات عبئاً على سمعة معتنقيه، وانعدمت حيلة إنقاذ إرثه العظيم وصورته التي تتآكل سريعاً، لكثرة ما ارتبطت في الأذهان بالموت والإرهاب والتخلّف.

ومن بين السطور، تندس مقولة ابن رشد التي تتكرّر كثيراً مؤخرا «إذا أردت أن تتحكّم في جاهل فعليك أن تُغلّف كل باطل بغلاف ديني»، فيما بعض الرسائل جاء عاطفياً مصحوباً بالوجوه الإلكترونية الباكية والحزينة تنقّب في الجوانب الأكثر مأساوية في كل حدث لترفع وتيرة اللطم واليأس، وتنطلق بدعاء الرحمن أن يلطف بـ «خير أمة أخرجت للناس» ويُهلك أعداءها، وهنا «خير الأمة» و»الأعداء» تعريفهم يكمن في قلب الداعي، فالاختلاف على التعريف هو منبت جذور هذا الخلاف الدائر اليوم!

ويتجرأ بعض الرسائل ليتحدى ويهدّد بالموعد المقبل مع «عزرائيل» في هذه الدولة أو تلك، بينما رسالة لا تصنيف لها سوى العبثية، وبغض النظر عمّا إذا كان مرسلها جاداً أو ساخراً، فهي غارقةٌ في الاستهزاء بما يحدث، وتصوِّر «حماة الدين الجدد» بأنهم بلغوا الدرجات العليا وفتحوا خطاً ساخناً مع السماء، حد القول بأن جاءهم خبر تأكيد وصول «الجهادي» الانتحاري، الجنة وأنه يجلس في صحبة الرسول (ص) للغداء ومن حوله يتحلّق الحور العين!

إن أي قراءة أو تحليل لما حدث يوم الجمعة من تفجير مسجد الصادق في الكويت، إلى إرهاب السوّاح في تونس إلى الذبح وتفجير المصنع في فرنسا، لن يضيف جديداً على مئات آلاف الكلمات التي قالها أو كتبها المحللون المنطقيون والعلميون وقرّاء التاريخ، أو حتى الثرثارين من المعلّقين على الأحداث، فالأحداث الثلاثة ليست سوى بنود في قائمة عمليات سابقة ولاحقة، وضحاياها ليسوا الدفعة الأخيرة من الأرواح التي تحصدها إبداعات انتزاع الحياة من البشر.

إن هدير آلة الموت والدمار يُسمع صاخباً على بعد خطوات، يصم الآذان ويزيغ القلوب وينادي أصحاب المسئولية أن الوقت قد حان لفرز الأهم من المهم في الأولويات، وتقديمه على غيره، على طاولة التنفيذ، وليس أهم من الإنسان في كل الأولويات بغض النظر عن عرقه ومذهبه، فمن خُلق في أرضٍ من حقّه أن يعيش عليها بكرامة وأمان.

خطوتان، تبرقان بالأمل، أعلنتهما السبّاقتان، تونس والمغرب مؤخراً، وهما إغلاق الأولى لـ 80 مسجداً لتحريضها على العنف، ومنع الثانية خطباء المساجد من ممارسة أي نشاط سياسي.

إن ما يحدث الآن آفة عصرية تشبه مرض السرطان، لا يفيد لوم المصاب على استهتاره بصحته التي أوجدت للمرض اللعين طريقاً إلى جسده، بل يجب الشروع فوراً في العلاج. وكما قال الطبيب الذي عالج أبي، رحمه الله، «الاستئصال هو المفتاح الذهبي لعلاج السرطان لضمان القضاء، كلياً، عليه. فترك خلية مايكروسكوبية واحدة في مكان ما في الجسد، من شأنها أن تهاجم بوحشية خلاياه السليمة لتقضي عليها وتنتصر للموت».

لن تنفع التنظيرات ولن يفيد اللوم ولا الشماتة، ولن يؤثر، بعد اليوم، رفع صوت من تتوفّر لهم أبواق تصمُّ بصوتها العالي الآذان والأفئدة. لقد ضاع ما يكفي من فرص احترام اختلافاتنا وتسوية خلافاتنا ودياً فيما بيننا ودون خسائر، أما وقد خسرنا ما خسرنا، وسمحنا لبذرة الشر أن تنمو فينا وبيننا، فلم يعد من خيارٍ أمامنا سوى الشروع بالعمل يداً واحدة، بجدية وصرامة الهادف للقضاء، كلياً، على سرطان غزا جسده، إن كنا نريد لشعوبنا أن تحيا، لا أن تعيش فحسب.

صحيفة الوسط البحرينية – نشر بتاريخ 01-07-2015 – العدد: 4680

 

http://www.alwasatnews.com/news/1004605.html

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s