عمرنا “الهمي

فوجئت إحدى الصديقات، بنتائج فحصٍ أٌجري لها في أحد مستشفيات بانكوك الشهيرة، بأن عمرها الزمني كما هو مسجّل في هويتها، هو 47 عاماً فيما عمرها البيولوجي لا يقل عن 70 عاماً.

قال لها الطبيب في تشخيصه، أنها تعاني من نقص في المعادن ومن فيتامينات متعددة، وأنذرها إن لم تعمل على رفع معدلات هذه الفيتامينات التي تحافظ على تماسك الأنسجة وكثافة العظم وتبني مناعة تقاوم الأمراض فإنها ستشهد يوماً ما انهياراً مفاجئاً في الصحة كمن ينزلق على سفح حاد الزاوية وستبدو فعلاً في عمر الـ70 حينها. لكن الطبيب طمأنها، أنها لو بدأت فوراً في نظام التخلص من السموم وخطّطت لنفسها برنامجاً غذائياً وحياتياً صحياً، فستلمس الفرق فوراً، وأن بإمكانها أن تطابق عمرها البيولوجي بالعمر الزمني.

وفي وصفة العلاج، نصحها أيضاً، أن تتخلص من القلق والضغوطات إن كانت تطمح لأسلوب حياتي صحي متكامل، فالقلق يسابق الزمن في رسم تأثيراته على وجه وروح من يبتلي به ويعطيه عمراًَ هميّا (من الهمّ) إضافياً للعمرين الزمني والبيولوجي السابقين.

هنا، توقفت صديقتي، وتوقفنا معها وهي تسرد علينا تفاصيل تجربتها، واتفقنا أن هذا سيكون صعباً، فالقلق لم يعد محصوراً بأسباب شخصية بالإمكان محاصرتها أو معالجتها أو تجاهلها. صديقتنا ونحن مهتمون، بدرجات مختلفة بالشأن العام، الذي لا يمكن تجاهله لشدة تأثيره حتى في أدق تفاصيل حياتنا.

فعالمنا الشخصي تراجع وزحف عليه العام وتغلغل في تفاصيله وتفاصيلنا، ليس العام المحلي فحسب وإنما من ورائه محيطنا الإقليمي، كل هذه العوالم تضج بمختلف المجريات المتشابكة، التي لا تسبب الضغط والقلق فقط، وإنّما تضعنا في تجربة صادمة غير مسبوقة، لم نطوّر خلال سنوات عمرنا «الزمني» خبرةً تعيننا على التعامل معها بحكمة، والسيطرة على مستوى القلق الذي تسبّبه لنا. فإذا استعدنا ما في ذاكرتنا القصيرة منذ مطلع هذا العقد، سنجد أكواماً من الأحداث المدمّرة التي فرملت بنا بقوةٍ، وقلبت كل موازناتنا الحياتية، المطالبات بالإصلاح والثورات التي نعتت نفسها بأجمل الفصول، مُنيت بضرباتٍ قاصمةٍ للظهر من السلطات، ومن مكوّناتها التي انقسمت على نفسها وخوّنت بعضها البعض، وانشغلت عن الإصلاح بتدمير الآخر.

الدين الذي أنزل من السماء كي يهذّب البشر ويقنّن تعاملاتهم تحوّل إلى أداةٍ في يد العابثين بالحياة والبشر، وتفتت على مذاهب، خانت في أوّل قوتها دينها الأساس الذي يدعو للتسامح والتعايش. اختلط المحلي بالإقليمي، تشعّبت اللعبة وكثر اللاعبون، فصارت اللعبة تُدار بنصف عين وبنصف قلب وبنصف عقل. تراجع الوطن وتراجع المواطن عن الأولويات. وسط كل هذا يصعب أن يحتفظ المرء بثباته ويمسك بزمام أموره.

في العوالم المتحضرة تتوافر إحصائيات عن القلق، أنواعه، وتأثيراته على مواطنيها، وتعالجه. لكنها تتفق في كون القلق من أسباب خفض جودة الحياة والصحة، وأنه بمسبباته المختلفة، من مؤدّيات الموت المبكر.

إن أي دراسة تجرى حالياً سوف تكشف عن أنواع مستجدة ومركّبة من القلق تغزو الصحة النفسية للمواطنين العرب بشكل عام، وبالإضافة إلى التأثير السلبي على الحياة اللائقة، فإن إهمالها من شأنه أن يؤثّر على الأداء والإنتاج ويتجاوز ذلك إلى انحراف الأحلام والرؤية. وبما أن القلق الحالي ليس أساسه مسائل فردية فإن كل ذلك سيبدأ من الفرد ليسري على مجتمعات ودول بأكملها، ويؤثر في سعادتها ونموها ولحاقها بركب الإنسانية المتحضرة، الذي بات، أصلاً، على مسافات أمامنا.

إن كان الطبيب قد وصف الفيتامين والحديد للوقف الفوري للشيخوخة البيولوجية المبكرة لصديقتنا، فالخشية أن انعدام الحلول الفورية أو المنظورة قريباً، للنمو السريع لعمرنا «الهمّي» تجعلنا جميعاً نشير إلى آثار الهمّ على أعمارنا، كالعجوز التونسي الذي صار من أيقونات ثورة الياسمين عندما قال باكياَ: «هرمنا».

صحيفة الوسط البحرينية – نشر بتاريخ 24-06-2015 – العدد: 4673

http://www.alwasatnews.com/news/1002622.html

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s