بين ذاكرتين …

عندما نقرر أن نغادر لنتنقل بين محطاتنا، نشعر أننا لم نكتفِ مما حولنا، وتقفز من ذاكرتنا مشروعات لم تكتمل وأشخاص لم نقترب منهم كما ينبغي، فاللهاث اليومي يضطرنا أن نعتقد دائما أن هناك متسعا مقبلا من الوقت، فتتراكم في الذاكرة مشروعاتنا الإنسانية غير المكتملة ووجوه كثيرة… نأسف – عندما نوشك أن نغادرها – على أوقات ربما نكون قد أهدرناها لاعتقادنا أن الزمان لن يمضي بنا إلى أمكنة أخرى ومحطات جديدة.

عندما قررت أن أغادر الصحافة اليومية، تنازعتني ذاكرتان وأنا أتأمل طويلا مرحلتي الفاصلة بين مهنتين… ذاكرة سنواتي الصحافية المكتنزة بتفاصيل لا منتهية تجمعت وتراكمت وأنا في محطتي هذه التي أغادرها قريبا، وذاكرة دشنت لتوها تلتمع ببريق الجديد الذي لايفتأ يذكّر بأهمية التحدي الجديد وخوض التجارب الأخرى في صناعة الآفاق في حياتنا.

المصادفة وحدها جعلتني أمتهن الصحافة قبل 16 عاما، جئت في مطلع التسعينات بشهادة ماجستير اقتصاد من جامعة ولاية كولورادو أبحث عن عمل في وقت تجمدت فيه الأعمال بينما شبح المجهول يخيم على الخليج بكامله عندما غزا العراق الكويت وحبس العالم أنفاسه ترقبا لحرب ثانية في الخليج.

في ذلك الوقت – وفي عالمي الصغير- كانت المقارنة بين كولورادو الخضراء والخليج القاحل، تشبه كثيرا المقارنة بين الأحلام الخضراء التي يحملها رأسي للمستقبل، وبين واقع الوضع المرتبك الذي صبغ كل شيء بلون الصحراء. وكانت صناعة الأخبار والاعلام عموما لا تكف تزدهر في الداخل والخارج والصحف الأجنبية تكتب عنا بكثافة ونحن نريد أن نعرف ماذا يكتب عنا… فأنقذتني الترجمة من بطالة محققة.

وفي تلك الغرفة الصغيرة التي تكتظ بالمترجمين في مبنى قديم بالجفير كان موعدي مع مهنة عمري التي لم أسعَ إليها بل ساقني إليها قدر اعتبرته فيما بعد حسنا.

فتنتني القصص المتكاملة التي كنت أترجمها من الصحف العالمية وانتبهت لمهنة كنت أبحث عنها من دون أن أمتلك تعريفا لها… فتنتني الصحافة التي استوعبت فضولا فطريا جاء معي إلى الدنيا وطالما نُهرت بسببه عندما كنت صغيرة لأنه صفة «غير محمودة» اجتماعيا. فلم أتردد في الانغماس بكاملي في المهنة التي شذبت ذلك الفضول واعتبرته مؤهلا أساسيا… وحدها الصحافة التي تقبلت استعجالي ونفاد صبري الدائم… وحدها الصحافة التي تعتبر حواس ممتهنيها المايكروسكوبية – التي تنفذ إلى أقاصي الناس والأمور- ميزة استثنائية.

استسلمت لها بخدر لذيذ، فكانت 16 عاما من الصحافة اليومية، من المتعة الاستثنائية بالتدرج في جنباتها من الخبر إلى التقرير والتحقيق والتحليل فالمقال، من الصباحات الاستثنائية التي يشعرها فقط الصحافيون عندما يكتمل اشراقها بخبر كتب في المساء الماضي فتصدر الصحيفة والاهتمام صباح اليوم التالي… من الأصدقاء الاستثنائيين وشبكة تكبر يوميا من المعارف… من المفارقات الاستثنائية، فوحدهم الصحافيون الذين يدافعون عن الحقوق الانسانية والعمالية وهم بلا حقوق تضمن معيشتهم وحياتهم ومستقبلهم، وحدهم من يتحول فضولهم المهني المشروع لكشفهم ما لا يراد له أن ينكشف الى جريمة، فبدلا من أن يكافئهم المجتمع، يتسابق نوابه المشرعون لسن قوانين تسكتهم أو تلقى بهم في السجون… سنوات طويلة لم تخلُ أيضا من الخيبات الاستثنائية التي- وإن جعلت بعضا من الطريق ملتوية ووعرة، ونالت من الفكر والقلب أحيانا الا أنها- تخلق في من يخرج منها قوة احتمال استثنائية، فينهض منها منتصرا لا مهزوما… صحبتي الجميلة ومن جمعتني معكم ذاكرة مشتركة طيلة سنواتي في الصحافة… أفراد عائلتي الرائعين: أهدي لكم ما أعتبره أجمل ثمار هذه السنوات فنحن صنعناها معا، كنتم ورفاق «الحلوة والمرة» تعرفون كيف تشذبون غضب الخيبات عندما يكون طازجا… وتستشرفون الجانب المشرق الآتي حتما من الجهة الأخرى.

زميلاتي وزملائي السابحون في هذا البحر من الحبر، الذين تحول كثيرون منكم إلى أصداقاء حقيقيين… بكم تصبح الدنيا أرحب من مكان عمل يجمعنا سأبحث عنكم كما أفعل دائما… كما أبحث عن المرآة عندما أشتاق إلى نفسي.

مصادر معلوماتي… الصحافة تزدهر بحرية التعبير ووفرة المعلومات، والمجتمع يرقى بازدهار وسائل اعلامه… ثقتنا المتبادلة التي كبرت على مدى السنوات، وفرت عليّ نصف الطريق بالحقائق والمعلومات التي أمددتموني بها، أنتم مساهمون حقيقيون فيما يحسب ازدهارا للصحافة ولدورها في المجتمع. أقدركم جميعا.

وامتناني موصول إلى كل من مد أمامي ساقا أو عصا أو رمى حجرا… ربما تعثرت قليلا ولكنكم استنفرتم فيّ ما أوتيت لأتشبث بما كنت أبحث عنه وأسعى إليه… مازلت أستذكر صوت «المسئول» يهددني ويلوح بمحاربتي، استفزك صمتي عن كلمة الخضوع التي تنتظرها! حسبتها شجاعة! أعلنك اليوم: لم تكن شجاعة بل كنت مصدومة حد الذهول فخذلني لساني… شكرا لك… في لحظات الذهول تلك وُلد عزم أوصلني إلى هذا اليوم، أتمنى لو يصلك امتناني لتتحرر، ربما، من ذنب تحول إلى معروف أسديته لي.

زملائي الجدد… الداخلون توا إلى الصحافة، لا تصدقوا أن الصحافة مهنة المتاعب، فالصحافة مهنة لا تشبهها مهنة أخرى، فكلما ازاددت تطلبا كلما زادت ممتهنيها عشقا لها والتصاقا بها. فللصحافيين الحقيقيين… هي مهنة تمنح فيضا أكثر مما تأخذ، تعطي رضا رائعا لا يقدر بمال، فالصحافة مدرسة حقيقية من يجتاز امتحاناتها ومحنها المتتالية يفوز بسعادة كبيرة وشعور رائع ويكسب تجربة مهنية وحياتية تؤهله للعمل المثمر في أي موقع حياتي وعملي آخر.

ليس غريبا أن تخلو كلمات الوداع التي يتناسخها المتنقلون من وظيفة إلى أخرى من شيء أقوله اليوم وأنا أنتقل إلى محطتي المقبلة… فالمفردات الاستثنائية التي تشربتها تجاويف الذاكرة تجعل الوداع أيضا استثنائيا لا يشبه أي وداع… بل ليس هو وداع.

ها هي مفرداتي ودقائقي الكثيرة تحلّني من أزمة الانتقال بين محطتين… وذاكرتين.

لن أحتاج الى ذاكرة جديدة… ها هي ذاكرتي تتمدد بكل هؤلاء الذين أثثوا فضاءها بدفء وجودهم ومنحوها مساحات تكفي لتفاصيل مقبلة ولقادمين جدد… لن أغادر أحدا ولن أسمح أن تغادروني…

العدد 1668 – الأحد 01 أبريل 2007م الموافق 13 ربيع الاول 1428ه

http://www.alwasatnews.com/news/224022.html

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s